1- مدخل
هذه هي الحلقة الثانية من العنوان الفرعي: «الحبل السردي» ضمن السلسلة الطويلة: الحابل والنابل، التي تجاوزت الثلاثين حلقة.
وتتضمن هذه الحلقة وقفة قصيرة مع اللغة واللسان بالذات في معاني سرد، وجدته قد ذكرها تحت جذر «ذرو». قال اللسان: «ومنه (أي من مادة «ذرو») حديث علي كرم الله وجهه: يذرو الرواية ذرو الريح الهشيم، أي يسرد الرواية كما تنسف الريح هشيم النبت..» أ.هـ.
وبعد الوقفة اللغوية القصيرة كانت لنا وقفة أدبية وبالتحديد مع الكاتب والناقد د.يوسف نوفل في مقال له في الهلال بعنوان: «الإبداع السردي عند خيري حداد»، وصحيح أن نصيب السياسة كان صفراً في هذا اللقاء، لكن الوجبات متنوعة المذاقات، ومتنوعة الاتجاهات ولتكن هذه الحلقة استراحة من عواصف السياسة إلى عواطف الأدباء.
2- الحبل السردي ومختبر السرديات
كان يعقد في مكتبة الإسكندرية ندوة منتظمة كل ثلاثاء من كل أسبوع تحت عنوان «مختبر السرديات»، وكان القاص أحمد حميدة من المؤسسين له مع كوكبة من الكتاب والأدباء بالثغر، العاصمة الثانية (لمصر). (مجلة الهلال المصرية السنة 119 عدد مارس 2012). وليت مثل هذا المختبر للسرديات ينعقد عندنا كل شهر أو كل فصل لدراسة القصة قصيرة وطويلة. فقد غدت فن القرن، وللعلم فإن ما يطبع من القصص يعدل كل ما يطبع في العالم من الكتب في مختلف العلوم والبحوث والدراسات.
وليكن محضن مثل هذا المختبر للسرديات في الجامعة الأردنية، أو غيرها من الجامعات، أو وزارة الثقافة، أو أي جهة، والسرد هنا بمعنى القص.
3- يوسف نوفل.. وحديثه عن الإبداع السردي
وأعجبني مقال نقدي في مجلة الهلال للكاتب والناقد د.يوسف نوفل، فليس فيه تعويص النقاد ورمزياتهم المبهمة، وعباراتهم المشفرة المغلقة، فأحببت أن ألخص ما جاء فيها لأنه في موضوعنا موضوع: «الحبل السردي»، ورأيته يختزل القصة في عنوان يضيفه إلى عنوان القصة فكأنه يصف أجواءها، فالقصة الأولى التي درسها وحللها عنوانها: «الزلزلة». وأطلق عليها: سرد الفقر والقهر. والثانية: أيام الكراهية، ولخصها بكلمتين: «سرد الظلم والظلام»، وقد كتبها الكاتب: الظلمة والظلام، والظلمة هي الظلام ولكنه فيما أرى يريد الظلم. فإلى التلخيص:
في مقال للدكتور يوسف نوفل بعنوان: «الإبداع السردي عند خيري حداد»، قال يعرف بقصة للكاتب «خيري حداد أبو عافية» باسم: «الزلزلة» قال نوفل يلخص: «الزلزلة.. سرد الفقر والقهر» ماذا يقول خيري: هل يصرخ في بيداء الحرية؟ أم يبكي على الماضي الجميل؟ أم يستغيث من الحاضر المؤلم؟ أم يستشرف المستقبل؟ أم هو ذلك كله وزيادة؟ في الطريق إلى الإجابة عن هذه التساؤلات يتصدر الرواية نصان موازيان يسارعان إلى الإجابة قبل أن يقوم السارد (القاص) بسرد التفاصيل. هذان النصان هما: العنوان، والإهداء.
أما العنوان فمعناه: الحركة الشديدة، والعنوان بدلالاته ماض على وجه السرعة نحو النهاية المتوقعة لكل ما أعلمنا به السارد من امتزاجه بالطبقات الشعبية في قاع المجتمع.
أما الإهداء فيجمع بين منطقتين؛ أولاهما: ترحل إلى زمن ما قبل منطقة القاع، وهو زمن الأجيال السابقة: إلى الراحلة أمي، بعدما رحلت كل المعاني الجميلة. وثانيتهما: تستشرف فضاءات في المستقبل إلى حفيدتي كرمة. وليست المسألة مقتصرة على مجرد الجمع بين ماض وحاضر، ولكنها موازنة صامتة تستعين ببلاغة الحذف والإضمار والإشارة والإيجاز والإيحاء والتلميح بين ثلاثة أزمنة: زمن جميل مضى، وزمن مأمول مرجو نستشرفه، أما الواقع فمرفوض مكتظ بالأهوال، ويقع بين هذه الأجيال الجيل الذي ينتمي إليه السارد، وهو غير الجيل القابع في قاع المدينة من أبطال السرد.
وبلاغة هذين النصين (العنوان والإهداء) تزداد تفسيراً وتأويلاً مع السؤال الذي يلح باستمرار في فقرات السرد بصيغه المتنوعة. ويلعب الرمز دوره في دلالات الأسماء، دلالات متضادة متناقضة، كأنها تتهكم وتسخر بنقد لاذع للواقع المأساوي. فالراوي اسمه صبري وفي أخريات السرد يضطر السارد إلى التساؤل قبل نهاية المشوار: لماذا يتلون بلون آخر من خارج زمانه.. أليس له أن يعيش زمانه ويبتعد عن زمان الآخرين؟ هل جاء صبري من دائرة خارج الزمن؟
وتحت عنوان «الزمكانية» قال يوسف نوفل: نحن إزاء فضاءات السرد: الزمانية والمكانية، واقعية حية لا مكان فيها لتخييل. لكن القصد السردي يفصح عن المكان الحقيقي من كل مصر (يسمي أماكن عديدة). أما الزمان فمن سنة52 وما قبلها وما بعدها.
ثم يقول د.يوسف نوفل: ولغة السرد قائمة على ضمير المتكلم، ولغة السرد متناغمة مع كآبة الأحداث والمواقف، والشخصيات والتصرفات بقدر تناغم المطلع مع الختام، فالمطلع منذ السطر الأول: «كان الطريق أجرد، بلا شجرة صغيرة، والسماء عتمة ليس فيها نجمة، والأرض تضرب عجلات المركبة القديمة المتهالكة» والختام في آخر سطر: «خرج في صمت.. وترك الباب مفتوحاً؛ بغية أن يدخل إليها ذئب من ذئاب القبور يفتك بها» لتدل لغة السرد على كآبة الواقع، وعلى أن الحل يكمن في البتر لا في العلاج. ويتابع يوسف نوفل في تحليل ونقد قصص خيري حداد، فيقول: أيام الكراهية، وسرد الظلمة والظلام (أعتقد أن الصواب هو الظلم والظلام) بعد أن قدم خيري حداد «سرد القهر والفقر» في روايته «الزلزلة» في فضاءات المدينة المعاصرة فاضحاً كآبتها وقتامتها.
ها هو ذا يقدم «سرد الظلمة والظلام» في روايته الجديدة: «أيام الكراهية» في فضاءات مختلفة عما سبقها، إذ مضى في فضاءات القرية فاضحاً كآبتها وقتامتها، أيضاً، وفي كلتا الحالتين رأيناه صريحاً واضحاً في كثير من الأحيان، ورامزاً في أحيان أخرى، على نحو ما تلخصه الفقرة الأخيرة في السرد.
وفي كلتا الحالتين جعلته جرأته الفنية يعلن الحقيقة المرة دون موارية أو خجل، على الرغم من أن أموراً عديدة تجعل هذا السرد غير بعيد عن خيوط ذاتية ملتحمة بنسيجه الذاتي، بل تجعله في قلب التجربة الذاتية عينها. وذلك بعلامات لا تنكرها عين؛ أولها: ضمير المتكلم: كنت، وثانيها: توظيف فعل الحكي التراثي: كان، كنت، وذلك منذ الجملة الأولى للسرد حتى آخر جملة في السرد: «كانت الكلاب، كانت الثعالب، كانت البيوت، كانت الكراهية تحيطني..» لتلخص الفقرة الأولى في السرد مفاتيح السرد في الرواية كلها.
وثالث علامات الذاتية ذكر اسم البطل والقرية والكفر والعادات وأسماء الترع.. الخ
ولتضع الفقرة الأخيرة في السرد الخطوط العريضة لهيكلية الرمز الكلي، وتكشف الغطاء عن الدلالات الكامنة في العنوان: «كانت الكلاب في البلد لا تعد ولا تحصى، والذئاب تحيط بها من كل جانب وكانت الثعالب تحت القناطر وفي كل المزارع، وكانت البيوت فيها أسرار وعجائب، وكانت الكراهية تفلق الحجر، والأبواب المقفلة عليها تكتم ما في القلوب من ضغائن..»الخ
قلت: وهذه السوداوية لا نحبذها وإن كانت تصف جانباً من مجتمع الكراهية الذي تحدث عنه سعد جمعة في كتابه القيم، الذي أصبح سمة بعض مجتمعاتنا ألا ترى العنف في سوريا بعد ليبيا؟
نسأل الله أن تكون مجتمعاتنا مجتمعات سلم أهلي واجتماعي، وأن يكون قصاصونا بناة لا هدامين! آمين، وإلى لقاء في حبل سردي تال متين!