غريب قيام دولة كبلجيكا تدعي احترام الديمقراطية وحقوق الإنسان بالسماح لحزب سياسي فيها بتقديم مكافأة علنية مقدارها 250 يورو، لمن يبلغ عن امرأة مسلمة منقبة بقصد ملاحقتها ومقاضاتها ومنعها! ويأتي هذا ضمن سياق الحملة الأوروبية المسعورة لمحاربة الإسلام ولباسه وتقييد الحريات الدينية للمواطنين المسلمين، ولهذه الدول حجتها في أنها دول مدنية لا تسمح بالرموز الدينية، ومن أراد العيش فيها فعليه أن يحترم قوانينها فالدولة فيها قبل الدين!
غير أن هذه المبادئ لا يحملها الأوروبيون الى بلادنا، بل يأتوننا بنفسية المتفوق الذي يحتقر الآخرين، ويريدون أن يرتعوا في بلادنا كما لو أنها حظيرة أوروبية أخرى يمارسون فيها خلاعاتهم على قارعة الطريق! بل يَلقى خبر سجن امرأة بريطانية وتغريمها وترحيلها من دبي بسبب قبلة ساخنة في مكان عام، تعاطفا من الإعلام الذي صور الحادثة كأمر عرضي، واستهجن التعامل معها بهذه القسوة، بل حملت بعض عناوين الخبر علامات التعجب والتقليل من الحدث والتضخيم للعقاب من نحو: «قبلة تسجن بريطانية وتحرمها من دبي مدى الحياة!»، بينما لا يصاغ العنوان المتعلق بملاحقة وتغريم المرأة المنقبة بذات التعاطف والاستغراب!
ودبي ليست أفضل مدينة في تطبيق قوانين الحشمة، مع أن الأمكان العامة فيها تمتلئ بالتوجيهات والحث على ذلك، ولكنها تقوم بأعمال مشرفة بين الفينة والأخرى عندما يبلغ التجاوز منتهاه، وعندما يكون في جمهور المواطنين من يأمر بالمعروف ويقوم بفعل إيجابي؛ بتقديم شكوى إلى الجهات المعنية.
لماذا تُلام دبي؟ أليست أيضا دولة مدنية لها قوانين يجب أن تراعى من قبل كل من يدخل أرضها؟! ألا يفهم الأوروبيون المبدأ الراسخ في ثقافتهم:when in Rome, do as the Romans do(عندما تكون في روما، تصرف كما يتصرف الرومان)
أو كما يقول أبناء بلادنا: دارهم ما دمت في دارهم، وارضهم ما دمت في أرضهم.
فهل المدنية ودولة القانون حالة خاصة للدول الأوروبية بينما الدول العربية حارة كل من ايدو إلو؟!
مبارك هذا التوجه ومن حث عليه ومن أصدر القرار وطبق القانون، فدبي بالذات بحاجة الى شرطة سياحية فعالة تتابع تطبيق قوانين الاحتشام والعفة العامة، فبلادنا ليست مزبلة لاستقبال حثالة الشعوب! واحترامنا لمواطنيهم يجب أن يكون مقابل احترامهم للعرب والمسلمين في بلادهم، فعالم السياسة مبني على المعاملة بالمثل reciprocityوليست فيه صدقات وحسن نوايا وإدارة للخد الآخر.
فالاحترام العربي لمواطني الدول الغربية يجب أن يقابله احترام للمواطنين العرب والمسلمين في الغرب، ومقابل حلف «بلجيكا وأخواتها» يجب أن يكون هناك حلف «دبي وأخواتها»، وهي ليست دَقة بدقة؛ فالنقاب أقل ما يقال فيه إنه حرية دينية واختيار شخصي، بينما القبلة الساخنة في المكان العام انتهاك للأخلاق والخصوصية، والمسامح في حالتنا ليس كريما وإنما ضعيف متخاذل ومفرط!
الاحترام يُفرض فرضا، ولا يُطلب طلباً، وقد آن لنا أن نرفع رأسنا في وجه من يريدون أن يطؤوه بأقدامهم.