مهزلة القرن

نشر 04 يونيو 2012 | 09:22

 

• الثورة في مصر

الثورة في مصر ثورة شعبية بتمام معناها، وكامل فاعليتها. والثورة في مصر انفجار بركان من الغضب نشأ من تراكم أطنان من الفساد والمظالم والإفقار وهدر الكرامة، والتعذيب، والتجاوزات، والتهميش، والتطنيش، وكانت كل ممارسة خاطئة للنظام ترسب في أعماق هذا الشعب الأصيل أسباب الثورة، حتى اكتملت الأسباب ونضجت الثمرة وحان القطاف قامت الثورة.

 

كانت كالحمل المتم ينتظر الخروج إلى الدنيا في أية لحظة وكذا الثورة، وكان الميلاد.. ميلاد شعب كان في رحم المعاناة والتعذيب والكبت والقهر والإذلال، حتى كسر الشعب قيده وحقق حريته، وأسقط رموز الفساد والظلم.

 

لكن يبدو أنها فرحة ما تمت، وثورة ما اكتملت، فجرى الالتفاف عليها من أزلام النظام الذين كانوا متمسكين ببقاء النظام واستمرار الهيمنة، واستمرار الفساد والنهب إلى ما لا نهاية، وليموت الشعب جوعاً إن أراد أو قهراً إن أراد له الخيار!

فجرى الالتفاف على الثورة، لكن ليس معنى هذا أن الثورة أجهضت أو أطيح بها أو احتويت، أو فقدت زخمها وقوتها واندفاعها. هذا الالتفاف على الثورة من قبل الفلول يجب أن يواجه بثورة ثانية، تكمل إنجاز ما لم تكمل إنجازه، حتى لا أقول ما عجزت عن إنجازه الثورة الأولى.

 

• تركة النظام البائد

النظام الفاسد يفسد كل شيء: (الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون) يفسد الإنسان والمؤسسات والدستور والقانون والاقتصاد والأحزاب والحياة السياسية والتجارة والزراعة والصناعة والتعليم والإدارة، ماذا أعد وماذا أترك؟ ويتعمق هذا الفساد ويتجذر مع الزمن، فيصبح الزمن جزءاً من المشكلة؛ إذ يحولها إلى أزمة مزمنة مستعصية.

 

ومع امتداد الخراب والفساد وتعمقه وتجذره تحتاج إلى وقت طويل لإصلاح ما تركه النظام خراباً. وأخطر ما خربه النظام نفسية الإنسان وعقليته، فحوله إلى كائن هش مضعضع سريع العطب شكاك مهتز القيم، مستعد أن يغش نفسه، فكيف أمته؟

 

ولعل من أسوأ ما أفسده النظام: النظام القضائي؛ إذ تدخل فيه الساسة والسياسة فتسيس القضاء، وأصبحت الأحكام تفصّل تفصيلاً على مراد الحاكم وهواه، وانعدام النزاهة في القضاء تخريب لصمام الأمان الذي يمسك المجتمع من أن يتحول إلى وحوش يأكل بعضها بعضاً.

 

ولذا يجب أن يظل نظام القضاء خارج ألاعيب السياسة ودهاليزها وكواليسها. ويجب أن يظل القضاء ومؤسسة القضاء غير ملوثة. لكن هيهات، هذا حلم بعيد، وكيف يصلحون القضاء ومهمتهم المحددة لهم أن يفسدوا كل ما في البلد وعلى أرضها وفي جوها وجوفها، والقضاء أحد أهم الأبواب التي تسعى النظم الفاسدة لإفسادها؛ لتضمن محاكمة الخصوم على هواها وتبرئة الأتباع على هواها!

 

• طنطنة عن محاكمة القرن

تهيأت النفوس من شهور، أو منذ نظر في قضية مبارك، وانتظرت أن ترى محاكمة تليق بدولة عريقة في قضائها كمصر. ولكن الصدمة كانت عنيفة أن حجم الخراب في هذا الجهاز الحساس كان رهيباً!

فأولاً: كان القاضي أحمد رفعت هزيلاً في الأداء؛ فما أبقى كلمة في اللغة سليمة حتى بدهيات اللغة التي يتقنها طلاب الابتدائية كحروف الجر مثلاً، هل يعقل أن قاضياً في مصر أم الدنيا يسيء إلى اللغة؟! لا بل يسيء إلى نفسه بهذا الحجم من الإساءة.

وهذا يعطيك انطباعاً عن هزال الشخص، وهزال الجهاز الذي يمثله. وهذه ملاحظة قد يقال إنها شكلية، ولكني أراها جوهرية؛ فمن أخطأ في كل كلمة في الآية التي تلاها أتكون هذه شكلية؟

 

ثم يفخر القاضي أن أوراق القضية بلغت 60 ألفاً، وهي أمامكم وماذا أفدنا من الستين ألفاً إذا أنتجت هذه النتيجة الهزيلة والمهزلة الثقيلة؟ ومتى قرأتم حيثيات القضية؟ وما الفائدة من هذه الأوراق إذا كانت لا تتضمن أدلة قطعية على إدانة مساعدي العادلي؟ لقد أسأتم إلى مصر وسمعتها العلمية وسمعتها في القضاء وأداء القضاء واستقلال القضاء.

فقد كانت المحاكمة سياسية لا قانونية قضائية.

 

ثم يا عم أحمد يا رفعت أنّى لك أن تقول: هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق، هذه ليست لك، هذه الكلمة لله الحكم العدل، أما كتابك أنت فينطق بغير الحق؛ لأن الحق يا عم أحمد أن النفس بالنفس، فكيف من دمر قطراً عظيماً؟

 

ثم لماذا تختزل جرائم مبارك في أسبوعين من حكمه هما الأخيران، وتختزل التهم في تهمة «التحريض على قتل المتظاهرين»، فمن القاتل إذا كان مبارك محرضاً والعادلي محرضاً؟ ألا يستطيع القضاء أن يحضر القتلة؟ وأين اختفت الأدلة الصوتية والأدلة التوثيقية؟ من المسؤول عنها وعن هذا الاختفاء؟ لماذا لم يحاكم مبارك على تدمير مصر اقتصاداً وسياسة واجتماعاً؟ لماذا لم يحاكم على إفقار مصر وعزل مصر وإضعاف مصر؟ لماذا لا يحاكم على إذلال شعب كريم بإفقاره وتعذيبه وتهميشه؟ لماذا لا يحاكم على نهب البلد وإخراج تريليونات من ثروتها خارج البلاد؟ لماذا لا يحاكم على حصار غزة وقتل شعبها؟ لماذا لا يحاكم على بيع غاز مصر بأقل من نصف تكلفة استخراجه والشعب المصري بحاجة إليه؟

 

لماذا ألف لماذا ستشق الأفق وتصدع في وجوههم بالحق، تطالب القصاص من عدو الله وعدو الأمة والعزة والكرامة والشعب والمقدسات، من عبث بالوحدة الوطنية للشعب المصري وحرض طوائف المجتمع بعضها على بعض؟

من فجّر الكنائس ليقتتل الناس وينشغلوا ببعضهم بدل أن يشتغلوا بالنظام؟

 

من حارب الإسلام في مصر، وجعل الدين هزواً ومثاراً للسخرية؟ من دمر بلداً عظيماً كالعراق بمساعدة أمريكا على احتلاله؟

من كان يدعم جيش جنوب السودان بزعامة جون قرنق؟ من كان يدرب عناصره؟ لماذا نشطب مليون قضية ويتوقف عند أسبوعين من حكم مبارك؟ من فتح مصر للموساد والمخابرات الأمريكية تعبث بها وتعيث فيها فساداً؟ من فكك الجيش المصري وأضعف روحه المعنوية وعقيدته القتالية؟ من جعل السياسة مهزلة وخفة وطيشاً ورعونة وجهلاً؟ من أدخل المواد المسرطنة الإسرائيلية إلى الأسواق المصرية؟ من سمح لـ»إسرائيل» بتدمير زراعة مصر وثروتها الحيوانية والنباتية؟ من فتح المجال لـ»إسرائيل» لغزو قارة إفريقيا؟ من أضعف الأمة العربية برمتها، وكان مصد رياح عن الزعماء العرب الذين كانوا يتمترسون خلفه، وهو في مقدمتهم؟!

من خفف وزننا في العالم؟ من زوّر الانتخابات؟ من أنشأ جيش البلطجية بعديد 300 ألف يعيثون قتلاً ونهباً واغتصاباً في مصر؟ من وراء التنسيق الأمني مع «إسرائيل» تعبث في مصر كما تشاء؟

 

جرائم مبارك لا يحصيها إلا الله، وعندما يتاح لمصر حكم نظيف بعد زوال العسكر وتفتح الملفات كلها ويظهر حجم الجرائم سيعرف الناس أي مهزلة كانت محاكمة القرن! هذا خزي الدنيا قبل خزي الآخرة.

 

• البراءة لمعاوني العدلي ولابني مبارك.

ما أصدق في محاكمة القرن أو مهزلة القرن ما قال المثل العربي: «تمخض الجبل فولد فأراً»

هل هذه محاكمة يخرج نتيجتها أولاد مبارك الذين جمعوا عشرات البلايين، وباعوا مقدرات مصر، ويخرج فيها حسين سالم الذي بدد ثروة مصر براءة؟

وأنت الذي تلوت علينا في بدء المحاكمة آيات ظننا أنها ستكون منطلقك في الأحكام، وإذ بك جعلتها وراءك واتخذتها ظهرياً.

إن توقيت المحاكمة مسيّس والمحاكمة كلها مسيّسة؛ أما التوقيت فكانوا يظنون أن يفوز شفيق من فلول نظام مبارك ليشمل مبارك بالعفو، وإن فاز الآخرون فهم ينتظرون أن تحدث الأحكام فوضى في مصر يعلن الجيش بعدها استيلاءه على السلطة، أو انقلابه على الثورة.

 

إن نظام مبارك ما زال يمسك بخيوط السياسة في البلد وبالأجهزة الأمنية، والمجلس العسكري الذي جل أعضائه في الثمانين والعسكر يتقاعدون في الأربعين، هو صميم نظام مبارك.

 

• رب ضارة نافعة.

يأبى هذا النظام إلا أن يظل على نهج العمالة والخيانة والتبعية، وإلا فما معنى هذا الحرص الشديد على رجل دمر بلداً وأمة من وراء البلد؟!

 

ما معنى أن يدفع بلد عربي لمصر أربعة مليارات دولار قابلة للزيادة مقابل العفو عن مبارك وإرساله إلى ذلك البلد؟ يأبون إلا العمالة، ويأبى الله إلا أن يمد الثورة بدم جديد ووقود جديد، ويمد الشعب بزخم معنوي ودافع جديد لمواصلة الثورة.

لقد أصابوا بالانتخابات المشوهة شعب مصر بالإحباط، فأراد الله أن يعيد الحياة إلى الجماهير من جديد، فكان هذا الحكم المتخبط المتعثر الهزيل.

 

وما معنى أن يصر القاضي على أن الحكم بخط اليد؟ هل يريد أن يقول إنه لم يُمل عليه إملاءً ولم يأته جاهزاً؟ إن النفي دليل الإثبات!

 

محاكمة القرن كانت مأساة لسمعة القضاء المصري.

محاكمة القرن كانت صدمة لكل الشعب المصري، إنها فعلاً ملهاة العصر ومهزلة العصر!