عادةً ما يكون للمبدعين شطحاتهم التي تسببها طبيعة الروح المتمردة في داخلهم، هذه الروح المتوقدة التي لا تشعر بالاستقرار والسكون تجاه المألوفات، ولا تريد أن تسلم وتسكت على الواقع الذي يسلم الآخرون به، وتميل إلى الخروج عن الأنماط الاجتماعية الجامدة، وتتحلى بالثقة بقدرتها على تحقيق رؤيتها الخاصة..
هذه الشطحات يرى فيها أنصار الروتين والجمود فرصةً للانتقاص من قدر هؤلاء المبدعين ومحاربتهم والانتصار لمدرسة الإبقاء على الأوضاع الراهنة التي ينتسبون إليها..
لكن المجتمعات المتقدمة تغفر لهؤلاء المبدعين شطحاتهم بل تحب فيهم مشاغباتهم لأنها مؤشر صحي على استقلال فكري وعلى رغبة في التجديد ..
أصحاب مدرسة الجمود والروتين يكثرون من الحديث عن قيم الانضباط والالتزام واحترام الكبار وما إلى ذلك ويرون في أولئك المتمردين أنهم قليلو أدب ينقصهم الالتزام والانضباط متخذين من شطحاتهم سنداً لتدعيم نظريتهم الداعية إلى الإبقاء على أوضاع الروتين والتقليد والتكرار الممل حتى نظل في دائرة الأدب والاحترام والانضباط والالتزام، وما دري أولئك أن التمرد على الجمود والروتين مع ما يحتمله من مشاغبات وشطحات وحتى كبوات هو أكثر فائدةً للمجتمع من الالتزام والانضباط والاحترام السلبي الذي يفقد الإنسان خير ما فيه وهو الروح والعقل..
المجتمعات لا تتقدم بملايين من الأتباع المحترمين الملتزمين المطيعين بل تتقدم بعشرات أو مئات فقط من القادة المتمردين الذين يحترمون أنفسهم وعقولهم ويرفضون الانصهار في قوالب جامدة تلغي كينونتهم وفرديتهم..
نستحضر في هذا السياق رفض أبي بكر الصديق رضي الله عنه عزل خالد بن الوليد رغم ما كان له من هفوات في حروبه، ورغم عصيانه لأوامر أبي بكر ذاته في بعض المواقف لأنه لم يشأ أن يحرم المسلمين من طاقته المنتجة فقال: "ما كنت لأشيم سيفًا سلّه الله على الكافرين"..
يبدو أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان مدركاً لهذه السنة بأن التسامح مع بعض الشطحات هو أنفع للأمة من حرمانها من طاقات مبدعيها في سبيل المحافظة على صورة الانضباط والالتزام والتقيد التي نظنها علامة صحة وعافية للمجتمعات بينما هي في حقيقتها علامة قتل للروح وسكون وتوقف عن النمو والتطور..
والله أعلم..