هكذا وبعد ثمانين عاما من العمل السري الذي مارسته جماعة الإخوان المسلمين بعد حل الجماعة وتصفية المرشد الأول ثم الملاحقات المتتابعة حتى صار يطلق على جماعة الإخوان اسم ( الجماعة المحظورة ).. تعود الجماعة مرة ثانية إلى الواجهة لتتصدر المشهد السياسي على الساحة المصرية بعد ثورة 25 يناير وبقوة واضحة وتنظيم دقيق شهدت له كل القوى السياسية على الساحة المصرية حتى المناوئة.
ولقد ازداد هذا المشهد وضوحا وإصرارا بعد حصول الدكتور محمد مرسي على أعلى الأصوات في الانتخابات الرئاسية والذي جاء بعد هيمنة الإخوان على مجلسي الشعب والشورى مما يؤهل الجماعة لإعادة تشكيل دور مصر في المنطقة خلال السنوات القادمة ولتعود مصر إلى دورها الريادي الذي انتزع منها بعد فصل مصر وإبعادها عن قضايا الأمة المصيرية بعد اتفاقية كامب ديفد. ولعل الرئيس التونسي منصف المرزوقي كان متفائلاً أكثر حين قال بالأمس: (بعد ساعات قليلة من الآن سيقرر المصريون مصير الأمة العربية )، وهذا ما تتحسب له أمريكيا والغرب وإسرائيل ومعهم دول أخرى في المنطقة وبالمقابل هذا ما تنتظره الشعوب الحية والمظلومة كالشعب الفلسطيني والذي بفقدانه دور مصر تراجعت القضية الفلسطينية عشرات السنوات إلى الوراء.
ولكن ما يلفت الانتباه هو حالة الاستنفار والتجييش التي قام بها فلول النظام السابق والتي لا شك أنها فاجأت جميع المراقبين حيث استطاع احمد شفيق أن يتقدم وبفارق ليس بالسهل على كل من أبو الفتوح وحامدين صباحي وعمرو موسى وغيرهم رغم أن كافة الأحزاب السياسية على الساحة المصرية أحصت خروقات ومخالفات هائلة لأحمد شفيق شخصيا ولعل مذبحة معركة الجمل إلا إشارة واضحة ودلالة على أن النظام السابق لم يرفع الراية البيضاء بعد، ولولا العناية الربانية ثم المعركة الانتخابية الرائعة والمنظمة التي قادتها جماعة الإخوان المسلمين وفي زمن قياسي لكانت النتائج اقرب إلى الفاجعة ولأدخلت مصر كل مصر في متاهة لا مخرج لها منها، ولا نريد هنا أن نضع اللوم على هذا الطرف أو ذاك ولكن مما يؤسف له في هذا المقام أن أتحدث بكل المرارة كم هي بعض الجماعات الإسلامية بحاجة إلى الفقه والوعي السياسي أكثر أحيانا من الترف الفقهي في بعض القضايا الخلافية التي يمكن تأجيلها، ولقد أصرت بعض الجماعات الإسلامية على معاقبة الإخوان في هذا الظرف المصيري والذي ربما يدفع ثمنه كل مصري وذلك لأسباب حزبية ضيقة ثم بعد ذلك يقف ذلك الشيخ المعمم ليلعن الحزبية والحزبيون.
ولعمري أن الحزبية المقيتة عند بعض من يدعون محاربة الحزبية كان ردها العكسي والفعلي خرابا وربما يكون مدمرا على الكل المصري، ومن الإنصاف استثناء بعض العقلاء من هذه التيارات الذين قالوا كلمة الحق فلاقوا من الاتهام واللمز والغمز حتى من بعض من تتلمذ على أيديهم .
ولعله من الحكمة الربانية أن يقف شخص مثل الدكتور أبو الفتوح هذا الموقف وذلك ليحي من حيّ عن بينة وليهلك من هلك من بينة ذلك أن هناك أمراً عظيما ينبغي أن يشار فيه بكل الاحترام لجماعة الإخوان والتي رفعت شعار نحن لا نقدس الرجال فمهما بلغت مرتبة الرجل في حركة كهذه ثم خالف رأي الجماعة ومرجعياتها الشوربة فلا بد له أن يتحمل نتائج ذلك لوحده حتى لو انشق معه من انشق فجماعة الإخوان عبر تاريخها الطويل مرت بتجارب ربما تكون مشابه ثم سرعان ما تبين الحق وعادت للجماعة عافيتها.
إن الوساطات والشخصيات الاعتبارية التي تدخلت لثني الدكتور أبو الفتوح عن الترشح والعودة إلى صف الجماعة قد فشلت، ورغم أن دعاية أبو الفتوح الإنتخابية كانت في معظمها تتركز على شباب الإخوان ونجح في استقطاب الكثيرين ورغم ذلك سارت الجماعة غير عابئة بما يحصل مع حرصها على عودة الدكتور أبو الفتوح الذي رفض كل تلك الوساطات مصراً على رأيه وعلى الرغم من ذلك تصدرت الجماعة بمرشحها الدكتور مرسي المشهد ولم تلمز طرفاً ولم تتهجم على أحد ولم تعاتب أو تضع اللوم على طرف إسلامي فهذا يكتب للجماعة في رصيدها على أنها تتسع للجميع فهي بمثابة الأم لجميع الأبناء مهما كانت درجة العقوق.
ان المعركة الانتخابية والتي جرت في مصر والتي وقف العالم كله ويده على قلبه فمنهم الخائف من فوز الإخوان ومنهم المشفق على الشعب المصري من هذا الفوز لو حصل ومنهم من بات الأيام والليالي وهو يدبر ويخطط ماذا سيفعل فيما لو حصل ذلك.
ان الجهات التي خاضت تجربة الانتخابات في مواجهة الإخوان المسلمين يتحملون قسطاً كبيراً من المسؤولية أمام قواعدهم كما يتحملون المسؤولية الكاملة عن الخطر الذي يطل بقرنيه وقد بات يتهدد الثورة، لقد أثبتت هذه الانتخابات إن الإخوان واجهوا الفلول لوحدهم ذلك لان هدفهم المعلن والذي ترجم واقعاً على الأرض وأمام العالم كان الحفاظ على الثورة فلو لم يخض الإخوان تجربة الانتخابات لفاز الفلول ولدخلت مصر كلها في مرحلة غامضة لا يعلم الكثيرون ما هو المخرج منها ، إلا أن النتيجة النهائية والتي جعلت من الدكتور محمد مرسي مرشح الإخوان المتصدر لهذه الانتخابات يلزم كل العقلاء من إسلاميين ووطنيين وقوميين أن يسارعوا لإنقاذ مصر وذلك بدعم الدكتور مرسي في انتخابات الإعادة ثم بعد ذلك يتفرغ الجميع للمرحلة القادمة والتي سيكشر فيها الفلول عن أنيابهم بشكل سافر وسيحاول وضع كل العصي في دواليب مجلسي الشعب والشورى والرئاسة وسيعمل هؤلاء الفلول على منع الدكتور مرسي وحركة الإخوان من تقديم برنامجهم بكل الطرق المتاحة وسيلجأون ربما إلى استجلاب التدخل الخارجي لفرض الحصار على الشعب المصري تماما كما حصل في التجربة الفلسطينية .
وإنا على ثقةٍ بأن كل هذه المحاولات ستفشل أمام وحدة القوى الحية إذا كانت تريد الخير لمصر . أنا أرى أن فوز الدكتور مرسي في الإعادة شبه مؤكد وعلى كل القوى أن تكفر عن خطيئتها وتنقذ مصر ومعها الأمة العربية التي تنتظر تلك اللحظات بفارغ الصبر علّ فجراً جديداً يبزغ على الأمة وهو قادم لا محالة بإذن الله.