لم تكن هناك مفاجآت في نتائج انتخابات الرئاسة المصرية إلا لمن استند إلى حسابات غير صحيحة في توقعها أو في تفسير ما آلت إليه. وفي هذا المقال سنتناول ما سمي بـ"ظاهرة حمدين صباحي"، المرشح الناصري الذي حصل على نسبة 20% من أصوات الناخبين المصريين.
في فلسطين كانت لنا تجربة مشابهة لتجربة حمدين صباحي في الانتخابات الرئاسية 2005،حين حصد الدكتور مصطفى البرغوثي أمين عام المبادرة الوطنية 19% من أصوات الناخبين الفلسطينيين، ومن العوامل الأساسية التي ساعدته هو غياب حماس المنافس الرئيس لحركة فتح التي فازت في الانتخابات، فانبرى المحللون والمفسرون لتفسير "ظاهرة مصطفى البرغوثي" الذي اعتبر نفسه حينها القوة الثانية على الساحة الفلسطينية متجاهلا حماس التي غابت عن المشاركة،غالبية المحللين عزوا نجاح البرغوثي إلى شخصيته ووطنيته والخدمات التي كان يقدمها من خلال المؤسسة غير الحكومية التي كان يديرها، ولكن بعد عام واحد شاركت المبادرة الفلسطينية بقيادة الدكتور البرغوثي وفي تحالف مع مستقلين فلم يحظ إلا بـ 2.8 % من أصوات الناخبين، أي بعد أن حاز وحده على أكثر من 150 ألف صوت في الرئاسة لم يحصل هو تحالفه إلا على 26 ألف صوت وانتهت ظاهرة البرغوثي عند ذلك الحد.
السيد حمدين صباحي لا يمتلك تلك الكاريزما المميزة وإلا لظهر نجمه مبكرا، وكذلك فإن الحزب الناصري أوشك على الاندثار ولو كان الأمر غير ذلك لكان له حضور في مجلسي الشعب والشورى، فمن أين حصل صباحي على ذلك الدعم الكبير وكيف توزعت الأصوات ؟.
السلفيون كانوا أكبر الداعمين لحمدين صباحي وتجلى ذلك في محافظة الإسكندرية التي تعتبر معقلا لهم، فأصوات السلفيين أعطيت غالبيتها إلى حمدين صباحي حين غاب مرشحهم، إضافة إلى أصوات من يسمون أنفسهم شباب الثورة وهم قلة، أما أصوات الإخوان فقد توزعت إلى ثلاثة أقسام، قسم دعم مرشح الحركة الدكتور محمد مرسي، وقسم آخر دعم المرشح أبو الفتوح وقسم ثالث آثر الامتناع عن التصويت خشية من " الفتنة" حسب اعتقادهم، وخاصة أن الدكتور أبو الفتوح حظي بتأييد العلامة الجليل د.يوسف القرضاوي، وقد أثر ذلك في مجمل نسبة المشاركة في الانتخابات، أما مرشح الفلول أحمد شفيق وبعد أن أثبت استعدادا عاليا لقمع الثوار والإخوان_بعكس عمرو موسى_ فقد حظي بدعم المؤسسة العسكرية والحزب الوطني المنحل،وكذلك بدعم الأقباط والصوفيين وبعض زعماء القبائل الذين تم خداعهم بطرق شتى إلى جانب من خدعهم إعلام الفلول وخوفهم من " تكويش الإخوان" على السلطة أو غير ذلك.
أحمد شفيق لن يفوز بمنصب الرئاسة والجميع يدرك ذلك، ولهذا فقد ينسحب لصالح حمدين صباحي_إن جاز ذلك من الناحية القانونية، أو قد يتم عزله تنفيذا لقانون العزل خشية من فوز الإخوان، أما إن بقيت الأمور على حالها فإن الأحزاب المصرية جميعها ستكون في مواجهة فلول مبارك إذا وضعت خلافاتها السياسية والفكرية جانبا ، وإما أن تظل على خلافاتها فتصوت ضد نفسها وضد الثورة وضد الإخوان، ولكن ذلك لن يمنع الإخوان من كسب المعركة إذا أداروها أفضل مما كان في الجولة الأولى.