جدي ناصر.. متى نتوقف عن التقديس؟

نشر 26 مايو 2012 | 05:13

 

مضحكة مبكية قصة خالي وهو يروي كيف كان في طفولته يظن أن الرئيس عبد الناصر هو جده الأكبر، حيث كانت صورته تتصدر مجلس بيت العائلة في الغربة وكذلك بيت عمه المجاور لبيتهم، وكان جدي يفرض على البيت حظر الكلام والحركة أثناء خطاباته، بل إن خالي تأثر وهو يمسح دموع والده عند وفاة عبد الناصر، والتي أصيب بعدها بمرض السكري!

 

كبر خالي وعرف أن عبد الناصر ليس جده ولا أحد كبار العائلة ولكنه بالرغم من ذلك كان الأب الروحي للشعب الفلسطيني والأمة العربية ومحط الآمال لتحرير فلسطين، وحتى عندما ضُيعت فلسطين باللاحرب و الأسلحة الفاسدة وثبت تفريط عبدالناصر وفساد قيادته العليا للجيش وجد الشعب العربي له مئات التبريرات ورفضوا تنازله المسرحي عن السلطة وما زالوا على حبه وتبجيله بعد أن ولى زمنه وكشفت كتب التاريخ والسياسة ما خفي على الناس وقتها!!

 

بعد سنين وبعد موت جدي، وبعد قراءة تاريخية مطولة ابتداء من كتب هيكل مرورا بكتب أحمد رائف ومذكرات اعتماد خورشيد وكتب الإخوان، لعبت ذات اللعبة مع جدتي تعلق صورة عبد الناصر وأنزلها، تعلقها وأنزلها، أخبئها وتجدها حتى اذا طال الخلاف رميتها من النافذة فحطت على الأرض قطعا، ظننت أننا جيل توقف عن وراثة الخيبات في الرؤوساء وإعادة استهلاك الأساطير والخرافات التي حكمتنا لسنوات.

 

وهذه ليست تجربة شخصية بل حالة عامة يعيد العرب تصنيعها بين فترة وأخرى وكأننا لا نستطيع أن نعيش من غير صنم بشري نصنعه ونوليه مصيرنا ورقابنا ليتحكم فيها! العرب عاطفيون في الحب والحرب و السياسة وقلوبهم سريعة الاستلاب بالشعارات الرنانة ويتقنون الحرب بالوكالة وينتظرون المخلص الذي سيأتيهم بالنصر على البارد المستريح ! ولكن زمننا لم يختلف عن زمن خالي وجدي، اختلف اسم الرئيس ولكن لعبته في الاحتيال على القلوب العربية باستغلال العروبة والقضية الفلسطينية كانت نفسها، وثمن الثقة كانت بضعة صواريخ في الصحراء كانت كفيلة بأن نرى صورة صدام معكوسة في القمر، هذه الإشاعة سمعتها بإذني وقتها، بل حفظوه القرآن وجعلوه ممن يصلون بسورة البقرة، وغيرها من الحلقات التي اكتملت بقدوم الاحتلال الذي حوله إلى ناسك زاهد ثم إلى شهيد! بل إن مقارنة ما بين عهده والعهود التالية جعلته قديسا مقارنة مع من خلفوه والأوضاع التي عاشها العراق والعراقيون بعده، وكأن قدرنا أن نقارن بين السيئ والأسوأ ونفاضل بقبول أقل السيئين!! وحال الفلسطينيين ليس أفضل مع زعيمهم الراحل فخطاياه في إسقاط خيار المقاومة وتحرير فلسطين من البحر الى النهر والقبول بالكانتونات الفلسطينية والفساد المالي تصنفه مع سابقيه ممن لا يستحقون الزعامة، ولو لم يكن من خطاياه الا توريث القرار الفلسطيني لمن وصفهم هو نفسه ذات مرة بالجناح الاسرائيلي في منظمة التحرير ممن خلفوه الآن في السلطة الفلسطينية لكفاه، فالزعيم الصالح يترك وراءه اثرا عظيما، وهذا ما خلف لنا الا المفسدين!

 

لست سياسية لأفهم بالسياسة، ولكني أفهم أن زعماء يعذبون ويقتلون شعوبهم دون وجه حق لا يستحقون أن يصبحوا أسطورة أو رمزا، زعيم يسمح لجنوده بارتكاب الفواحش ليلة نكسة فلسطين ويضحي بصغار الجنود في الحرب والأسر ليعيش الضباط الكبار بين أحضان المغنيات والراقصات، وزعيم يطلق أيدي أولاده وخاصته ليعيثوا في الأرض فسادا لا يمكن أن يستحق احترام الشعوب، ولوصف الكلام صفا ونظمه شعرا فكل خطب الزعماء لم ترجع شبرا من فلسطين ولم تحفظ كرامة شعوبها التي سحقت بكافة الوسائل الإجرامية التي اقتربت من الإبادة بالأسلحة المحرمة!

 

لماذا تنسى الشعوب هذا التاريخ وما فرخه في الحاضر وتستمر في تضليل نفسها طواعية وتتعامى عن قصد عن الإجرام الذي يحصل في سوريا مثلا بحجة أن نظامها نظام ممانعة ومقاومة وعروبة وقومية!

أي ممانعة هذه التي لم تنجح حتى في تحرير بقية أرضها و ما فعلت من شيء سوى أنها حفظت لإسرائيل حدودا آمنة وبقيت على كرسيها تتعالى فوق جثث الشعب قديما وحديثا؟!

 

إن الله لا يجري الحق والعدل و النصر على أيدي الفاسدين والقتلة والخونة ومن أسقطه الله من حسابات القبول لا ينبغي للشعوب أن ترفعه في قلوبها أو ذاكرتها.