في رحاب العاصمة المقدسة.. ثورة إيمانية

نشر 21 مايو 2012 | 09:06

 

ما إن تتوجه بقلبك وفؤادك إلى الله راجياً منه أن ييسر عليك رحلتك وسفرك إلى بيت الله الحرام والبلاد المقدسة لأداء مناسك العمرة حتى تنفطر الأفئدة وتعتصر القلوب شوقاً لمشاهدة البيت الحرام وزيارة المكان الذي ولد فيه رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم والتعرف على المواطن التي شهدت البدايات الأولى لديننا الإسلامي الحنيف ومشاهدة مواقع المعارك البطولية والغزوات التي أسست للإسلام دولة وحضارة ونظام حياة ..

 

يستشعر الإنسان في بلاد الحرمين بقوة إيمانية كبيرة تجتاح أعماقه وتنساب بين شرايينه وتسير في أضلاعه وهو يرى الأفواج الكبيرة من الناس تزور هذه البلاد وتطوف في البيت الحرام، ويتذكر قول الله تعالى في سورة إبراهيم " رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصلاة فاجعل أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ.."، حيث تشعر أن هذه الآيات تتحقق أمام عينيك وأنت ترى قلوب الناس وأفئدتهم وأبصارهم وأسماعهم تهوي إلى البيت الحرام لتتقرب إلى الله بالطاعات والعبادات وطلباً لمغفرة الذنوب..

 

لقد حبا الله سبحانه وتعالى بلاد الحرمين الشريفين بمميزات كبيرة رغم أجوائها الصحراوية وارتفاع درجة الحرارة؛ إلا أنها بلاد خير وتتميز بالعطاء والنماء والدفء الإيماني، كيف لا وهي موطن ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم.. كيف لا وهي البلاد التي شهد فيها رسولنا الأعظم صلى الله عليه وسلم المحن والابتلاءات والانتصارات العظيمة.. كيف لا وهي البلاد التي تشع نوراً بالإسلام العظيم ونظمه وقيمه ومنهاجه الفكري الكبير .. كيف لا وهي بلاد الخلفاء الراشدين العظماء أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والصحابة أجمعين رضي الله عنهم، فقد منح الله سبحانه وتعالى هذه البلاد الخيرية والنماء الدائم والأمن والأمان والطمأنينة والوئام والمحبة والسلام، ويشعر الإنسان في تلك البلاد بالراحة والطمأنينة والأمن والأمان وتسمو روحه في تجليات إيمانية يدعو الله ويرجوه أن يغفر ذنوبه ويتقبل منه عمله الصالح..

 

في بلاد الحرمين الشريفين تجد الناس مختلفي الأشكال والأفهام والبصائر واللغات لكن قلوبهم موحدة بلغة إيمانية واحدة تلهج ألسنتهم بالدعاء والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، حيث ترى وتتحدث مع إخوانك المسلمين من الصين وبنغلادش وماليزيا والهند وبورما والبلاد العربية والبلاد الأوروبية مثل بريطانيا وفرنسا وغيرها من بلدان العالم تتعرف عليهم وتتحدث معهم بلغة الإسلام ولغة المحبة والإيمان..

 

إنها لحظات لا تنسى وترتقي بالنفس نحو الطاعات والعبادات وفضائل الأعمال .. هي أيام قليلة لكنها تحمل معاني إيمانية كبيرة في النفس منها الصبر والعطاء والتضحية والمشقة والجهاد والتوكل على الله، فيما يتذكر الإنسان وهو في سعيه بين الصفا والمروة قصة سيدتنا هاجر أم إسماعيل عليها السلام عندما تركها سيدنا إبراهيم عليه السلام في صحراء مكة القاحلة حيث لا زرع ولا ماء ولا رفيق ولا أنيس لها في وحشتها، تركها هي ووليدها الصغير سيدنا إسماعيل رضي الله عنه، ثم مضى في طريقه فنادته "يا إبراهيم أين تتركنا في هذا الوادي وتذهب، فلم يرد عليها، وقالت له آلله أمرك بهذا فرد عليها: نعم، فقالت: إذن لن يضيعنا الله ..وعندما نفد الماء والزاد وجف لبنها فلا تجد ما ترضعه لطفلها الذي يتلوى جوعاً وعطشاً، ويصرخ، وهي تسرع لتبحث عن أحد ينقذها أو ماء فتصعد وتنزل جبل الصفا وجبل المروة سبع مرات حتى تمكن منها التعب...

 

وأوشك اليأس أن يسيطر عليها، فيبعث الله سبحانه وتعالى جبريل عليه السلام فيضرب الأرض بجناحه؛ لتخرج عين ماء بجانب الصغير إسماعيل، فتهرول الأم نحوها وقلبها ينطلق بحمد الله على نعمته، وقد جعلت تغرف من مائها، لتشرب طفلها وتنقذه، وتقول لعين الماء: زمى زمي، فسميت هذه العين زمزم، ويقول العلماء إن السر في عبادة السعي يتمثل في التذلل لله وإظهار الفقر والاحتياج لله وإظهار العبد كامل خضوعه واستسلامه لمولاه بحيث لو كلفه بما هو أدق معنى من السعي، أو أشق عملاً منه لقام به بدون تردد، حتى أن هذه القصة تُفكر فيها وأنت تطوف الأشواط السبعة وقد توفر لك الهواء والماء المثلج والمكان الممهد المستوى، لكن سيدتنا هاجر عليها السلام كانت تسعى في مكان صحراوي غير سهل ولا ممهد والحرارة فيه مرتفعة فالأجواء كانت مختلفة كلياً والبيئة مختلفة أيضاً..

 

وهذه مشاعر قليلة شعرت بها خلال زيارتي لبلاد الحرمين الشريفين، ولكن لا أنسى أن أسجل شكراً وتقديراً وعرفاناً للقائمين على خدمة ضيوف الرحمن وتوفير الرعاية الدائمة لراحتهم وتسخير كافة الإمكانات والوسائل من أجل التيسير على ضيوف الرحمن..

إلى الملتقى،،