تباين الثقافات

نشر 14 مايو 2012 | 09:12

 

روى لي صديقي قصة من إفريقيا قد تكون صحيحة وقد يغطيها ضباب الأسطورة ولكنها تروي تباين الثقافات، فقد أمسك الناس بالسفير الفرنسي وأكلوه، وقالوا: هذا أفضل ما يمكن أن نفعله بإنسان نحبه، فلما شكت الحكومة الفرنسية الحكومة الإفريقية ما فعلوه من أمر شنيع! قالوا: يمكن أن تفعلوا نفس الشيء فتلتهمون سفيرنا في وليمة عامرة!

 

قد نضحك نحن من القصة، ولكن القرآن يخبرنا أن أكل لحم الإنسان كان واردا، ويذكرنا بذلك في موعظة أكل لحم الناس في غيابهم، تجسسا ونميمة وحسدا وكيدا وبالظن السيئ، فيذكر في سورة الحجرات من باب حفظ حصانة كل إنسان في جسمه وسمعته «ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه…»، فهذا الأكل كما يقول المؤرخ ديورانت في موسوعته عن قصة الحضارة أنه ليس الوقت بالبعيد الذي كانت تعرض لحوم البشر للبيع مثل لحوم الخرفان. وهنا تنبع فلسفة كاملة عن الأعمال وما فعله الأفارقة حين يحبون أحدا فيأكلونه، فقد جاء في الأسطورة أن الدب حين لمح ذبابة تزعج صاحبه هوى بيد أشد من المطرقة على وجه صاحبه لقتل الذبابة، فنجت الذبابة وقتل صاحبه.

 

كانت أمي رحمها الله حافظة كبيرة للأمثال فكانت تردد في هذا الصدد: الذئب أحب ابنه فقرض أذنه. وفي القرآن حديث عن لون من الأعمال العجيبة التي يؤديها الناس وهم يظنون في أنفسهم أنهم يفعلون الأفضل فوصفهم بالأخسرين أعمالا، «قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا». ويقول علماء النفس أنه ليس من مجرم بل وسط يخلق الجريمة. وفي قصة التهام لحم السفير الفرنسي في إفريقيا تنبع فلسفة كاملة لتباين الثقافات، ففي اليابان ينحنون برؤوسهم في السلام فلا يصافحون، والتحية في التيبت تؤدى بإخراج اللسان، وعند الغربيين لا حرج من مراقصة زوجة الصديق فيتشابكان على أنغام الموسيقى. وفي يوم ضحك البريطاني من أهل الصين وهم يضعون الطعام على ضريح الميت فقال: وهل سيقوم الميت جائعا من قبره فيشكركم على الوجبة الشهية؟ قال الصيني للبريطاني وأنتم حين تضعون إكليل الزهور على القبر هل سيقوم ميتكم فيتنشق وردكم وزهركم ويقول شكرا إنها رائحة زكية! روى لي صديقي ماهر أن أهل جيبوتي حين يذهبون للخلاء يجلس بعضهم إلى بعض، فيتحدثون ويتسامرون، وكأنهم في حفلة شاي وقهوة، يفعلون ذلك وهم يقضون حاجاتهم، مثل اجتماع الألمان مثلا على شرب قهوة العصر. أو الكاسكروت (وجبة خفيفة بعد العصر) عند أهل المغرب، فهذه هي حكاية تباين الثقافات. ومن رأى مثل ما رأى ابن بطوطة من تباينات الثقافات سامح وغفر وفهم.