رسائل الديمقراطية الجزائرية تطوف في العواصم العربية. الرسالة الرئيسية التي نقلتها العربية وغيرها من الفضائيات تقول لا ربيع عربي في الجزائر، الربيع العربي ارتبط بالتيارات الإسلامية وفوزها في مصر وفي تونس، وربما في ليبيا لاحقاً. لذا قرر الإعلام، وبعضه لا يتعاطف مع الربيع العربي والإسلاميين، نعي الربيع العربي في الجزائر لا للجزائريين فحسب، بل وللعواصم العربية المختلفة.
في الانتخابات البرلمانية حصل حزب جبهة التحرير الحاكم في الجزائر على 220 مقعداً، وحصل حزب التجمع الديمقراطي المتحالف مع حزب الجبهة على 68 مقعداً، وحصلت الأحزاب الإسلامية على 48 مقعداً، وجاءت في المرتبة الثالثة، وهي التي كانت تتوقع الفوز بالمرتبة الأولى.
الأحزاب الإسلامية تقول النتائج غير حقيقية، ويد التزوير امتدت إلى صناديق الاقتراع وزيفت الإرادة الشعبية، قد يكون التزوير صحيحاً ولكن الحكم النهائي للأدلة التي تثبت الزعم، ووزارة الداخلية تنفي التزوير، والمراقبون الأجانب ينفون التزوير، والنفي عادة لا يعني الحقيقة ولا المصداقية، لأن من يملك القرار ويملك الفوز بإمكانه النفي، ولكنه بالتأكيد لا يملك المصداقية.
بين مزاعم التزوير، ومزاعم نفي التزوير، تسكن رسائل الديمقراطية الجزائرية، وليس من بينها نعي حقيقي للربيع العربي الإسلامي في الجزائر، فالشارع الجزائري الذي يحتفل بالإسلاميين قديماً وحديثاً هو أكبر من نسبة 13% وقديماً قالوا دعوا الجنائز تتكلم؟! وبإمكان التيار الإسلامي الجزائري أن يقول دعوا الشارع يتكلم ؟!.
فكرة التزوير والتزييف فكرة مغرية في لعبة الانتخابات، خاصة حين تكون الديمقراطية غير مستقرة، وغير ناضجة كما في جل العواصم العربية، غير أن تنازع الإسلاميين واختلافهم يزيد من فرص التزوير ويجعل النتائج الهزيلة مقبولة، بحيث لا يبدي الجمهور تعاطفاً مع الإسلاميين المحتجين بسبب تنازعهم.
الرسالة الأبلغ التي تحملها ديمقراطية الجزائر إلى القاهرة هي التي تقول للإسلاميين لا تتنازعوا، واتفقوا على مرشح رئاسي واحد، حتى لا تعطوا فرصة للتزوير والتزييف وعندها لن تجدوا شعباً متعاطفاً مع احتجاجاتكم.
الجزائر تنذر القاهرة، ولا تنعى الربيع الإسلامي، ولكن الإسلاميين أنفسهم هم الذين ربما ينعون الربيع بأنفسهم حين تشتد خلافاتهم، وتفقد دعايتهم بريقها عند الناخبين، وتغري من يخطط للتزوير أن يتقدم نحو التنفيذ حينما استطاع ذلك.
ما تقوله الجزائر بلسان عربي فصيح هو: إن الديمقراطية العربية ما زالت لم تتبلور بشكل كاف، وما زالت تعاني عدم الاستقرار، وما زالت التيارات الإسلامية تغالب تاريخاً طويلاً من الإقصاء، وقد اتفق الآخرون على إشراكها في الانتخابات، ولم يتفقوا بعد على السماح لها بالفوز، وبالقيادة، وهذا ما يجب أن يعلمه المتنازعون ويفطنوا إليه.