كل عام وأهالينا المغتربين بخير. في كل المحطات العربية، كنت أسمع آذاني الفجر والمغرب يُرفعان في الدول العربية، يعلنان يوما بيوم ابتداء يوم جديد من رمضان أو اختتامه بكل ما يحمله من أجواء دينية وطقوس اجتماعية وعائلية، وكلما سمعت الاذان المتلفز كانت حسرتي تزيد في بلاد الغربة اذ أمسك وأفطر على الامساكية دون نداء يصدح بالتكبير لله والحث على الفلاح والصلاح في بلاد تفاخر بالتسامح وقبول الاخر وحوار الأديان. عندما كنت أفتقد الآذان كنت أذكر أجراس الكنائس تقرع في الاحاد والأعياد والمناسبات المسيحية في بلادنا العربية دون أدنى معارضة، بينما المساجد في اوروبا لا يكاد يسمح لها برفع السماعات حتى في داخلها، نعطل في الدول العربية في معظم العطل المسيحية..بينما المسلمون في الغرب يختلسون الفرصة ويطلبون الاذن من أرباب أعمالهم للخروج نصف ساعة لاداء صلاة الجمعة، وكذلك لا نجبر في بلادنا أحدا من النصارى على ارتداء زي بذاته بينما الغرب يجبر المسلمين في بعض البلاد على نزع الحجاب وحلق اللحى، وبعد هذا كله ننعت بالعنف واللاعقلانية ويوصم الغرب المسيحي بالتعقل والتسامح .
في مثل هذه الأجواء الرمضانية يشعر العربي كم هي غربته عن بلاده مكلفة في الدين والدنيا من نفسه وفكره وأخلاقه ونمط حياته وتربية اولاده، وقد يحصل المرء شيئا من أجواء رمضان في المسجد، ولكنه ما إن يضع قدمه خارج مبناه حتى تحتوشه الفواحش من كل حدب وصوب، بلاد كلها لله وأرض تسبح بحمد الله وبشر من فوقها يعيثون فسادا في البر والبحر.
في الوقت الذي تتقارب فيه العلاقات بين الناس في بلادنا ببركة رمضان، يبقى العرب والمسلمون على تباعدهم في بلاد الغرب، كل مشغول بنفسه كأنما برود مشاعر الأوروبيين قد بدأ يتسرب الى قلوب العرب والمسلمين، فنسوا أنهم من أمة ترد التحية بأحسن منها او مثلها، جسدا واحدا يصل الرحم ويحسن الصلة وتطيب جيرته ومعشره، فأصبح نمط حياتهم كالغربيين: عش كما تهوى ودع الاخرين يعيشون كما يريدون Live and Let Live .
وليس من عذر لمن يولون وجوههم قبل المغرب، الا من ضاقت بهم بلادهم فهربوا بدينهم وحياتهم وهم كما وصفهم القران لا يستطيبون فيها إقامة، بل يدعون الله أن يخرجهم من هذه القرى الظالم أهلها وأن يكون لهم وليا ونصيرا.
أما النافرون من بلاد العرب والمسلمين بلا سبب أو عذر، فهل وجدوا في الغرب أخلاقا دينية وتقاليد أسرية شجعتهم على ترك الأدنى في بلادهم طلبا للأعلى والحسنى في بلاد الغرب؟ وهذا لا يتنافى مع الحث على اكتساب الحكمة والعلم انى كان موطنهما، فالمسلمون والعرب أولى بذلك، ولكن المذموم هو الاعجاب والانبهار بما تسطع به الحضارة الغربية من بهرج يأخذ الالباب يخفي من وراءه تهالكا اجتماعيا واخلاقيا واسريا لمجتمعات ينفخ في مواتها الازدهار الاقتصادي والتأمين الاجتماعي والديمقراطية السياسية، وما أخلاق الغرب التي نعجب بها الا اخلاق من صلب الاسلام نحيناها في بلادنا وجعلها الغرب مقدسة في حياتهم، وصدق من قال ذهبت الى الغرب فوجدت الاسلام ولم أجد المسلمين، وذهبت الى بلاد العرب فوجدت المسلمين ولم أجد الاسلام.
أما المستجوزون، فهل تزوجت كل بنات العرب وانتهت العنوسة في بلادنا فما وجد أبناء العرب سوى الشقراوات خلقة أو صبغة يلمعن من بعيد ويلسعن من قريب، ليربوا أولادهم مسوخا مهجنين لا عربا ولا عجما؟ وكيف احترامهم لذواتهم وهم يتزوجون بقصد تحصيل الجنسية فقط أيا كانت الزوجة أخلاقا وبيئة، حتى لكأن المتاجرة بالجسد ما عادت قاصرة على نون النسوة، بل انتقلت لجمع المذكر غير السالم الذي يبيع نفسه ليصبح من رعايا اليزابث او أوباما.
في هذه المواسم يفتقد المرء في الغربة بلاده واهله، حيث يقضي الشطر الاول من رمضان يتقبل التهاني بقدومه وشطره الاخير بتلقي التهاني بالعيد، بعضها مشاعر صادقة وبعضها الاخر حفاظ على عادة اجتماعية، ولكنها أفضل من البلقع العاطفي الذي يعانيه المرء في الغربة.
في مثل هذه المواسم يفتقد المرء في الغربة صلاة التراويح التي ان خرج منها لا يخرج الى اجواء الفاحشة والخمر والملهيات، وهذا ليس من باب دفن الرأس في الرمال، فدولنا العربية ليست خالية من الفواحش والفتن، ولكنها على الاقل ليست طيفا واحدا من الدنيوية والدونية والترامي في شهوات الجسد والمأكل والمشرب كما الغرب، دولنا بها أطياف متعددة يمكن للمرء أن يختار منها إما ضلالة أو هداية، أما شكرا وإما كفورا، بها أطياف لا تضيق بالاخر فتحاول تنحيته او الغاءه وابقاءه بين جدران معبده، فلا عين تراه ولا اذن تسمعه.
دول الغرب بكل ما تدعي من الحرية والتقدم، لا ترضى بنداء يرفع من مأذنة وقماش يلبس فوق الرأس وقرآن يُتلى وثقافة تدرس في المدارس الاسلامية، بينما في بلادنا الكنائس والطوائف وطقوس الديانات الاخرى لها احترامها وحقوقها ولها فسحة في ممارسة شعائرها، ولو كان غير ذلك لقامت القيامة على الدول العربية ولم تقعد، ولاستعان المبغضون بالمؤرخين من زمن ادم عليه السلام لينعتوا المسلمين بقبائح الصفات، فهل لنا من علماء ومؤرخين وساسة وشعوب يدافعون عن هويتنا حتى لا نبقى مغتربين داخل دولنا وخارجها؟