قصّـة منام (شين الفاجرين) قبل انطلاق الربيع العربي !!

نشر 10 مايو 2012 | 09:15

 

ماذا لو أنّ شين الفاجرين الزعيم الهارب المتخفّي المطلوب للعدالة _ بعدما كان يطارد الصالحين والدعاة المصلحين والمعارضين النزيهين ! _ رأى فيما يرى النائم قبل 17 ديسمبر 2010م _ أي قبل حادثة البوعزيزي  _ مناما عن الربيع العربي ؟!

 

تعالـوا لنتخيـّل الحكاية فـي روايـة : 

 

 بعدما قضى يوما مرهِقـا في إدارة عصابته ( دولته ) ، ونهب ما يمكن نهبه من ثروة تونس ، وإلقاء بقية فتات النهب على بقية أفراد العصابة ( الوزراء ، وزعماء البوليس ، وبقية المافيـا ) ،

 

ثـم آوى إلى عشّ إبليس ( قصره ) متلهفا أن يقرأ التقارير الأمنية قبل النوم ، لاسيما تلك التي تُرفع إليه عن ملاحقة الإسلاميين ، ومحاربة الدين ، خاصّة الحجاب !

 

 فقد كان مشغوفاً إلى حدّ الجنون بطمس كـلّ ما يذكّرهُ برسالة القرآن ، وطاعة الرحمن ، ومعصية الشيطـان !

 

وكان لا يقرأها إلاّ وهو يعاقـر الخمر ، فتحمـرّ عيناه ، جاحظتين ، تدوران في محجريْهما كمن أصابه المسّ ، فيسْوَدُّ وجهُه ، وتعلوُه مسْحةٌ شيطانيّه ، حتى يُخيـّل للناظر إليه أنّه إبليس بعينه ، بذيله ، وقرنه !

 

حتى إذا هجم عليه النوم ، سقط يغـطّ غطيطاً كنهيق الحمار ، وكان في منامه كثيراً ما يرى ، فيما مضى ، ناراً تحيـط بـه ، فينجو منها ، لكنه رأى هذه المرة ، فيما يرى النائم رؤيا عظيـمةً عجيـبة !

 

رأى أنّ عربةً يجـرّها بائع خضار ، انقلبـت فاشتعلت نارا ، فتعاظمت تلك النار جدا ، حتى امتدت منها ألسنة عظيمة فاستطارت في أفق السماء !

 

أما أحدها فهبط مسرعا على قصره ، فأشعل فيه جحيـما هائـلا ، فلم يرعْـهُ إلاّ والجحيـمُ يحُيط بسريره ، حتى وجد حرّ النار من تحت إسته في فراشه ، لكنّه _ فجأة _ سقط في حفْرة قبل أن تحرقه النار ، فأخذته الأرضُ في بطنها ، ثم لفظته ، فإذا هو في بيتٍ في أرض بعيدة ، حوله جدرانٌ كالأطلال ، وأبوابٌ عليها أقفـال !

 

ثم أخذت تلك الألسن من النار تتساقط على بلاد أخرى ، فالتهمت فرعون مصر ، وابتلعت طاغية ليبيا ، وطار منها شرارةٌ إلى اليمن ، وقذفت بحممٍ عظيـمة إلى الشام تنقضّ نحو قصر بشّار انقضاض الشُّهـُب ،

 

 ولازالت يتساقط منها ما يتساقط ما بين حمـَمٍ عظيمةٍ ، وشررٍ يتطايـر هنا ، وهناك ، فينتشر على طول الخارطة العربية ، تقع الشرارة الصغيرة فتكبر ، وتكبر !

 

حتى رأى الزعماء ،  وليس فيهـم من زعيم إلاّ ويجد حرَّ تلك الشرارات تحت قدميه ، فيرفع قدما ، ويضع أخـرى !

 

وبينما هو كذلك يتقلَّب في سريره المذهَّـب من هول المنام ، إذ استيقـظَ فـزِعا ، والعـَرَقُ يتصبَّبُ من جسمِه ، كأنـّه خرج من ديماس !

 

 فلم تكد تهـدأ أنفاسـُهُ ، إلاّ وهو يتصل بالخط السِّري الساخن الذي يصله بجميع الزعماء ، ليخبرهم بما رأى ، وليطلعهم على ما جرى .

 

فقرّروا بعد أن استشاروُا المعبـِّرين ، وسألوا المؤوّليـن ، أن يهرعوا لاجتماع عاجل تحت جنح الظلام ، عند صاحب الأحلام .

 

وعلى مائدة لم يشتهوا فيها الطعام ، اجتمع الزعماء اللئام ، فقصّ عليهم شين الفاجرين المنام .

 

وتشاورُوا في هذه الرؤيا العظيمة ، والملمّة الجسيمة ، وأنها تعني نهاية الطغاة ، وسقـوط عروش المفسدين البغـاة .

 

فقام أقربهم طريقة فـي لحظة تجـلّ للحقيـقة لايدري حتـّى هـو كيف نزلت عليه ! قام فيهم خطيـباً فقال :

 

 تعلمون لقد بالغـنا بالطغيان على شعوبنا ، حتى جمعنـا فيما اقترفـنا جميـع السبع السياسية الموبقـات :

 

1ـ إهانة كرامة المواطنين ، فسلّطنا عليهم (البوليس السري) ، يستلب منهم كلّ شيء ، حتّى يهتك أعراضهم ! فصارت شعوبنا كالقطعان التي تعيـش تحت هاجـس الخوف من السوط ،  أو السكين !

 

2ـ إفساد القضاء ، فلم يجدوا ملجأً ينصفهـم فضاقت عليهـم الأرضُ بما رحبت !

 

3ـ نهب الثروة حتى عرِيَ الناس ، وجاعوا ، ومرضوا ، وافتقروا ، وضاع الشباب ، وانتشرت الجريمة !.

 

4ـ نشر الفساد المالي ، والإداري ، حتى صارت الرشـوة جهارا نهارا فذهبت الحـقـوق  ، واستولى على الشعب اليأس !

 

5ـ تزوير إرادة الشعب حتى ملّ الناس مسرحياتنا الهزليّة عن الانتخابات !

 

6ـ قمع الحريات حتى قتلنا الإبداع ، وهرب الملايين من خيرة أبناء أوطاننا بسبب ذلك !

 

7ـ الاستبداد السياسي إلى حدّ التوريـث ، حـتـّى يُـردّ أحدنا إلى أرذل العمر وهو ملصقٌ بكرسيِّ الحكـم التصاق العشيق بعروسه ليلة الزفاف !!

 

هذا في شؤوننا الداخلية ، أما الخارجية فضيَّعنا الأمة ، وجعلناها أرخص أمةً بين الأمم دماءً ، وأشدُّهـا تفرُّقـاً ، وأفشلها سياسةً ، وأعظمها تخـلُّفاً !

 

حتى طمع فيها المجوس فتوغّلوا فيها ، وعبثت بأرضها الصهاينة ، وتسلّطت عليها الصليبية ، وأصبحت بلادنا نهباً لكلّ ناهب ، ومرتعاً لكلّ لاعب ! 

 

ثـمّ وصلنـا بالطغيـان إلى حدّ التشبُّه بالألوهية ، فيخيـّل إلى أحدنا أنـه يملك العباد ، والبلاد ، وما فوق الأرض ، وما تحت الثرى ! فلا يرد قولُه ، يفعلُ ما يشاء ، ويقولُ ما يشاء ، ويقتلُ من يشاء ، ويعذِّبُ من يشاء ، ويعفو عمّن يشاء !

 

وكانوا جميعا وهو يلقي خطابه ، قد نكّستْ رؤوسُهـم ، وأطرقوا ، ومشاهد الرؤيا تملأ نفوسَهم رُعْبـا ، وتشحن صدورَهم رهَبـَا .

 

فقال قائل منهم : ما العمـل ؟!

 

فأجاب الخطيب : نطلق مشاريع الإصلاح ، التي تبدأ بإرجاع السلطة لشعوبنا لتختار الأمنـاء لإدارة البلاد ، في مجلس برلماني حقيقي له حقّ الرقابة ، و المساءلة ، ونزع الثقة ، فإنه مصيرهم ومن حقهم أن يختاروا من يحكـمهم ،

 

 ولنردّ سائـر حقوق شعوبنا إليهم ، ولنحتـرم كرامتهم ، وحرياتهم ، ولنطـلق المعتقلين السياسيين ، ولنقـرِّب أهل النزاهة ، ولنبعـد المفسدين ، ولنفصل القضاء ، ولنحترم قراراته ،

 

ويجب أن نتنازل لتداول السلطة ، فإن كانت شعوبنا لاتريدنا فكيف نحكمها بالقهر ، والخوف ، والذل ، والإستعباد ؟!

 

 وإلى متى نتصوّر أنّ هذا ممكن أن يسـتمر ، والعالم يتطوّر ، والشعوب تصبح أكثر وعياً ، وذكاءً ، وامتلاكاً للقدرات ،

 

أفلا تعقـلون ؟!!

 

ثم لنضع خُططا جـادّة لإخراج أمّتنا من ذلها ، ومشاريع لتقربها للوحدة ، وتبني لها قوة تحمي الشعوب من أطماع الأجنبي ، وعبثه بمقدرات أمتنا .

 

فانبرى أحد الزعماء قائلا : الشعوب هي سبب كلّ المشكلات وليس نحن ، وقد فعلنا ما بوسعنـا لتطويرها فلم نفلح ، فهي لايصلح لها إلاّ أسلوب قيادة القطيـع !

 

غير أنّ نظرة استهجان وإشعار بالسخافة من جميع المجتمعين أخْرسـته فلم يكمل !

 

وعاد أوسطهم طريقـةً ليقـول : ما رأيكم فيما ألقيت إليكم من حلول ؟!!

 

فنظر بعضهم إلى بعض ، لايدرون ماذا يقولون !

 

غير أنه دخل عليهم في هذه اللحظة الحاسمة ، إبليس في صورة المستشار الأول ، كما دخل في قصة الهجرة ، في نفس تلك (الصورة) ! التي دخل فيها على المؤتمرين من قريش لإطفاء نور الرسالة المحمدية !

 

فقال : على رِسْلكم .. على رِسْلـكم !

 

إنما هو منام لعله من حديث النفس ، أو أنّ أخانا شين الفاجرين أكثر البارحة من شرب الخمـر قاتله الله ، فلعب الشيطان في رأسه !

 

إنما هذا مُلْككُم ، وعزُّكـم ، وأموالكم ، وقصوركم ، وما ملكت أيديكـم ، بنيتموه بجهودكم ، وقضيتم فيه أعماركم ، أفتريدون أن تدعوه هكذا ، بسبب منام عابـر ، من هذا الطاغيـة الفاجـر !

 

ثم أنتم ولاة الأمر ، أم قـد نسيـتم أنكم ولاة الأمر الذين ذكرهم الله في القرآن ، فأوجب على الشعوب طاعتـكم ، وتعبدهم بموالاتكم !

 

فمهما فعلتم ، أوقترفـتم ، فخضوع الشعوب لكم هو الدين _ تعالى الله عما تقول الشياطين علوا كبيراً _ ورضاهم بكـم هو حكم رب العالمين !!

 

واسألوا إن شئتم مشايخكم ، والمفتين ، وعلماء الدين !

 

فألقى بعضهم إلى بعض نظرة استهزاء لهذه النقطة بعينـها ، وهمس أحدهم بإذن صاحبه بالجنب ، إنّما المفتون شركاؤنا ، صنعناهم ليغطُّوا جرائمنا ، ونطعمهـم من سحتنا !!

 

فأشار إليه صاحبُهُ بكفـِّه ، أن أخفض صوتك ، وقال هامسـا : دعك الآن من المفتـين ، فكلام هذا المستشار أعجبنـي ، فلنسـمع بقية حديثه .

 

فختم المستشار كلامه قائلا : لا عليـكم ، ارجعوا إلى بلادكم ، واستمروا في حكمكـم كما كنـتم ، ولا تخشوا من الشعوب فإنها كلّما جاعت تبعتكم، وكلّما خافت صارت طوع أيديكـم ، عبيد بلا أغـلال ، وقطعان قــد أثقلها السيـْر بالأحمال ، لايصلحها إلاّ هذا ، ولايستقرّ أمر الملك إلاّ بهـذا !

 

ولو كان فيهـم ما تخشون منه ، لثارت منذ أمد بعيد ، لقد ماتت يا زعماء ، لقد ماتت الشعـوب ، فأيُّ شيء تخشـون من شعوب ميـّتة ، ميّتة ، ميّتـة !!

 

ولم يكـد ينهي قوله ميّتة ، ميّتة ، ميّتة ، حتى جاء وزير الداخلية يركض فسقط سرواله من شدة الركض ! إلى شين الفاجرين ، صاحب المنام ، فهمس في إذنه بخـبر البوعزيزي ، وانتشار نار الغضب في شعب تونس حتى ملأ الشوارع ، وهو يقتـرب من قصـره ، ويطالـب بإسقاطه !!

 

فراع المجتمعون ما رأوْا من تقلِّب وجه شين الفاجرين حتى اصفرّ ، فازرقّ ، فاسودّ ، وهو يسمع همس وزيره في أذنـه ، ولم يكد يخبرهم بما جرى ، حتى كان كلُّ واحد منهم في طائرتهم الخاصة ، يهـرع إلى عرشه ليحميه من شعبه !

 

ولكن هيهات ، فقد تحققت الرؤيا ، وتتابعـت العروش تهوي ، والشعوب ترتقي مدارج التحـرّر من الطغيـان ، وفي كلّ أرجاء الوطـن العربي ، تساقطت الشهب التونسية لتتوقد بها مشاعل الحرية ،

 

وأخذت تتكاثـر تلك المشاعل ، ليحملها أفرادٌ من كلّ شعب ، فينضمّ الحاملون إلى بعضهم ، فيصطفّون صفوفا ، ليَعلُوا ضياؤُها ، وينتشر نورُها ، ويندحر الظلام عن خارطة الوطن العربي شيئا فشيئا ،

 

وتتصاعد الصيحات المباركة : الشّعب يريد إسقاط الطغيان !

 

الشّعب يريد الحريـّـة !

.

وتتسّع رقعة التغيير الثـوري حتـّى تضرب بأطنابها من الخليج إلى المحيـط .

 

وهكذا انتهت الحكاية ، ووصلت إلى آخـرها الروايـة .

 

وبإذن الله سنذكركم بها مـرّةً أخرى ، بعدما يكتمـل الربيع العربي ، ويقـر الله أعيننا بتحرر هذه الأمة لتعـود كما كانت أمـةً عزيزة بدينها ، معـتزّة بهويتها ، موحّدة بعقيدتها ، مفتخـرة بشعوبها الحرّة الحيـّة الكريمـة .

 

والله الموفق ، وهو حسبنا ، عليه توكّلنا ، و عليه فليتوكّل المتوكّـلون .