• مدخل:
عدنا إلى "مبارك وزمانه"، وشخصيته المعقدة، وعقد النقص التي تتحكم في هذه الشخصية والتي يحاول أن يغطيها بالمظهرية الجوفاء، والتعاظم، والاستعلاء، والغرق في الثروة والفساد، لينسى نفسه ونقصه وشخصه وعقده. ونحن الآن مع الفصل الثالث عشر من كتاب الأستاذ الكبير هيكل، وقد عنون لهذا الفصل بـ"على مستوى القمة". والأستاذ هيكل قصاص من طراز ممتاز، ولو لم يكن كاتباً سياسياً من هذا الطراز الممتاز لكان كاتباً فنياً قصصياً على ذات المستوى والطراز، فهو يحتفظ في ذاكرته الأرشيفية بتفاصيل تشبه خيال القصاص وغناه بالتفاصيل والدقائق.
وهذا قد ينفر البعض، لكن الأستاذ لا يستطيع أن ينفك عن ذاته، وإلاّ ما كان هيكل، لكنه في كل الأحوال كاتب من أرفع طراز لا على مستوى مصر أو العالم العربي فحسب، بل على مستوى العالم.
في هذا الفصل يذكر من الدقائق ما يدل على اهتمام مريض لدى مبارك بالبرتوكول، وقد حدّثني أستاذي عن زميل له في مصر من رجال الطبقة الأولى في السياسة والإعلام، وقد عمل وزيراً لأكثر من مرة، وكان يدرّب رجال مبارك المرافقين له في الرحلات على الإتيكيت والبروتوكول، فجاء يدرّب مجموعة منهم فقالوا: ما تدرّبناش إحنا روح درّب الحمار اللي بيخزينا في كل حتة"، بالعربي "لا تدرّبنا نحن ودرّب الرئيس" هذه النفخة الكاذبة لا تصنع زعماء، إنّما الثقافة والفكر والإخلاص والتخطيط والخلق يصنع رجال سياسة ينهضون ببلدانهم، وكل ربيع وأنتم طيبون! فإلى مبارك وزمانه وهيكل.
"على مستوى القمة" هذا هو عنوان الفصل الثالث عشر من كتاب الأستاذ هيكل: "مبارك وزمانه"، وفي هذا الفصل يتحدث هيكل عن "هاجس البروتوكول" على حد تعبيره، إذ قال بعد فصل عن الأمن عرضناه في الحلقة الماضية قال: "في صحبة هاجس الأمن جاء هاجس البروتوكول، وخصوصاً أثناء الزيارات التي يقوم بها مبارك إلى الخارج"، ثم حدّثنا عن الهاجسين وقد رآهما رأي العين في زيارة رسمية لمبارك إلى لندن، وكان هيكل ثَم، وقد شهد احتفالاً إنجليزياً كان فيه السفير المصري "محمد شاكر" في لندن، وكان يتحرك بين عدد من المسؤولين البريطانيين وهو مهموم، فقال لهيكل أحد أعضاء البعثة المصرية: السفير في مأزق. ملخص المأزق أنّ مبارك يريد زيارة ملكة بريطانيا في قصر باكنجهام لمدة 24 ساعة كما تقتضي المراسم، وكان السفير تلقّى من القاهرة تعليمات يُطلب منه تنفيذها، فهناك وفد الرئاسة، والمطلوب تجهيز أمكنة لكامل الوفد في القصر، وهناك خبراء أمنيون يُراد أن يفتّشوا القصر، ثم حاشية الرئيس وحاجتها إلى أماكن، ويُراد مطبخ لطبّاخ الرئيس، ومكان لمصفف الشعر! ولكن اللورد "فوركهارت" نائب رئيس أمناء القصر رفض معظم الطلبات. فالخدمة في القصر من اختصاص القصر، ولا تفوّض لغيرهم، والأمن كذلك، وجناح الضيافة للرئيس فقط ولا يزاد عليه شبر، وتفهّموا فقط الحاجة لمصفف الشعر! وهذا يتم إحضاره حين الطلب، والإقامة قصيرة لا تحتاج إلى كل هذا. وأبلغ كبير الأمناء الطرف المصري أنّ ما يناسب الملكة لا بد أن يكون مناسباً للرئيس المصري! والعبارة كما يقول هيكل تحمل تقريعاً مبطّناً لطلبات زادت عن الحد.
وحاول السفير بطلب من مصر أن يضغط ليعدّلوا، فسمحوا لمندوب يمثّل الأمن أن يزور الجناح، ثم اكتشفوا أنّ الأجهزة الأمنية 16 جهازاً، وكل جهاز قدّم خبيراً! يقول هيكل: وكانت كل زيارة لمبارك إلى عاصمة أوروبية تحدث شداً وجذباً يصل بعضه إلى حد اللامعقول، فديوان الرئاسة (المصرية طبعاً) لا يقنع بالمراسم المقررة لكل نوع من أنواع الزيارات الرئاسية، فهناك زيارة خاصة ليس لها مراسم بروتوكولية، وهناك زيارة رسمية يكون المضيف فيها رئاسة الوزراء في وزارة الخارجية، وهذا النوع له مراسم محددة.
وهناك زيارة دولة، ويكون الزائر فيها ضيف رئيس الدولة المضيفة، وهذا تجرى له مراسم البروتوكول بالكامل.
في الزيارة الخاصة البساط الأحمر الذي ينزل عليه رئيس الدولة الزائرة عشرة أمتار، وفي الزيارة الرسمية 25، وفي زيارة الدولة 50 متراً. وكثيراً ما كان يقع الخلط بين أنواع الزيارات. يقول هيكل: يذكر سفير مصري أنّه في إحدى زيارات مبارك للعاصمة التي هو سفير فيها، (أظن أنّها باريس هذا من عندي لأن السفير هناك، التحق بالثورة في مرحلة متأخرة!) وكانت الزيارة عادية (يعني خاصة)، فتلقّى السفير اتصالاً من مصر يطلب إليه "أبو خمسين" أن يكون جاهزاً، ولم يفهم السفير ما هو (أبو خمسين) حتى شرح له موظف قديم أنّه البساط الأحمر (ليس بساط أحمدي!)
ثم تكلّم هيكل عن الهدايا والنياشين، وكان المسؤولون في بعض الدول المضيفة يشعرون بالحرج عندما يرون أنّ الطرف المصري يحمل هدايا قيمة دون تقدير للقواعد، لأن هدايا الرؤساء في أوروبا وأمريكا (لأنهم فقراء جداً مش لاقيين الملح!)، لا يصح أن تخرج عن هدايا رمزية قيمتها مئة دولار. وغير ذلك فإنّ القوانين تفرض تحويله إلى مقتنيات الدولة. (الوفد المصري يحضر الهدايا من دم الشعب ليتلقّى الهدايا من يأخذها له شخصياً. وهل تذكرون عندما زارت ملكة بريطانيا بعض البلدان العربية الغنية (ليس الغبية) فرجعت محمّلة بالهدايا من التحف النادرة نخلتين في العلالي تحمل رطباً من اللآلي، وجمال مرصّعة بالجواهر واليواقيت. وعليه قس. وفي مطار لندن أوقفت طائرة الهدايا لأن دولة بريطانيا تريد أن تضم هذه التحف إلى مقتنيات الدولة إلاّ إذا جمركت. فدفع عرباننا جمرك التحف فسلّمت والحمد لله لملكة بريطانيا. واكتملت فرحة الملكة بالتحف العربية والهدايا اللي هيّة وتحيا النخوة العربية!) ثم ذكر أزمة الأوسمة والنياشين ومن يقدّم لهم من الوفد المصري.
يقول هيكل: وفي يوم كنت أتناول الغداء في نادي الدبلوماسيين وهو من أفخر نوادي باريس، وهو ملاصق للإليزية، فقال مضيفي وهو أحد السفراء: لا يحتاج رئيس مصر إلى شيء من ذلك كله، مثل هذا النوع من التصرفات منتظر من "بوكاسا" (هذا غير رز أبو كاس) الذي أعلن نفسه إمبراطور، لكن مصر بلد عرف الدولة قبل آلاف السنين. قلت ضاحكاً: اسأل الدكتور بطرس غالي الذي كان مسؤولاً عن الخارجية في يوم من الأيام. يقول هيكل: وكان بطرس أمامنا على مائدة قريبة من قرينته السيدة "ليا" (ليئة زوجة بطرس كما يقول هو في مذكراته يهودية إيطالية، وللعلم فأمه أيضاً يهودية)، وكان الدكتور بطرس وقتها أميناً عاماً لمنظمة الفرنكوفونية.
والمشكلة الكبرى في تلك الزيارات أنّ المضيفين فيها لا يحصلون على فوائد غير صور تنشر في بلد الضيف. والمشكلة أيضاً أنّ الكل يعرف أنّ اهتمامات مصر الدولية تدور في معظمها حول الولايات المتحدة. ولسوء الحظ فإنّ كل الدول تعرف مسبقاً أنّ مكانة مصر محجوزة لقوة دولة معينة.
وكانت هناك مشكلة إضافية أنّ الطرف المصري يريد اعتبار كل لقاء مؤتمر قمة، فهناك في مصر غرام بالقمم (ما عدا قمة تعقد لبحث مشكلة الحرب على غزة، فقد هددت مصر وبعض الدول من يحضرون بسوء العواقب عندما فكّرت قطر بعقد قمة لغزة!) يقول هيكل عن هذا الغرام بصرف النظر عن غرض القمة وموضوعها. وعندما تكون الزيارة عادية، فإنّ وصف القمة يرفع السقف دون ضرورة، فلا جديد يقال، ولا معلومات لها قيمة إخبارية تلقى في مؤتمر مشترك.
وحاول كثيرون إقناع البروتوكول المصري بأنّ رؤساء المجموعات الأوروبية يعقدون اجتماعاتهم العادية في بعض المطاعم، والوحيد الذي نجح في أن يعقد لقاء عادياً مع مبارك هو برلسكوني في بيته في (سردينيا)، ووصف مبارك اليومين بأنّهما كانا يومين في الجنة. ثم قال أنّ مبارك لم يكن يستقبل زواراً أفارقة، فالزائر الإفريقي يعرف أنّ قصارى ما يستطيع أن يعرضه مبارك التوسط لدى أمريكا، وكما قال البشير "إذا كان الوعد المصري هو البيت الأبيض، فإننا نستطيع أن ندقّ بابه بغير حاجة إلى رسم عبور لطرف آخر".
والفصل التالي عن حسين سالم وإمبراطورية النهب والثروة والمال الحرام!