مذبحة القضاة وحكم العسكر...!!

نشر 25 ابريل 2012 | 10:56

من يستنطق التاريخ الإنساني وصفحاته يجد لعنات العسكر التي جرعوها الشعوب تحت ظل أنظمة قمعية مستبدة اغتالت الحياة الإنسانية الكريمة تكريساً لعصور الاستبداد ومحاكم التفتيش الصليبية!! ولن أذهب بعيداً فقد عاصرنا حكم العسكر في سورية والعراق واليمن وتونس وليبيا ومصر... الذين زرعهم الاستعمار في شكل انقلابات وطنية مغلفة بعمالات دولية مدبلجة بشخوص عسكرية قدمت على أنها وطنية شعبوية!!

 

وعقلية العسكر وعاها قلبي وعقلي من أيام المراهقة عندما التقيت بها عبر كتاب «البوابة السوداء» لأحمد رائف فرأيت تجرد العساكر من إنسانية الإنسان وآدميته ناهيك عن إهدارهم لكرامات الأفراد وضمانتهم وحقوقهم حتى يرعوها للمتهمين و«زوار الليل» وما يتصل بحق الدفاع وضمانات الاتهام والمحاكمة...؟!

 

ومن يستقرئ ثورات الربيع العربي يجد قاسماً مشتركاً بينها يتمثل في فساد الأجهزة الأمنية والمؤسسات المدنية وعلى رأسها القضاء، بل وكان بعد الثورة في تونس اعتصام ألف قاضٍ تونسي ضد عناصر الفساد في السلك القضائي المحسوب على الطاغية «بن علي» ما اضطر الشرفاء من القضاة للاعتصام رافعين لافتة مكتوب عليها: «القضاء على عصابة القضاة».

 

فالقضاء إذا اخترق وسُـيّس وتسربت إليه أكياس الرشوة وجُيَّرت أحكامه لاستبداد السلطة والنفوذ سقطت عنه الصبغة المدنية فضلاً عن العدلية وتحول لثكنة من الثكنات العسكرية ومواخير بيع الشرف للعسكر والفاسدين... بل ويصبح العسكر فيه على رأس الهرم استحواذاً للسلطات وسلباً لشرعية الأمة فتصبح المواطنة ورقة تُسحب بشخطة قلم...!!

 

ومما استوقفني قبل يومين: تأييد القضاء الإداري المصري إحالة الخارجين على الأمن للمحاكم العسكرية تكريساً لدولة العسكر وتنازلاً عن اختصاص من اختصاصات القضاء المدني...!!

 

ولا عجب إذا كان فلول النظام السابق من الحزب الوطني يسيطر على القضاء والسلطات...!!

وحكم المحكمة الإدارية في مصر أرجعني بالذاكرة لسنة 1969 وبالتحديد يوم 31 أغسطس وما سُمي بـ «مذبحة القضاة» في العهد الناصري...؟؟

 

لتكون المفارقات بين اليوم والأمس!!

ففي أغسطس 1969 انتفض القضاء المصري ضد دولة العسكر ومحاولة استحواذهم على جميع السلطات بما فيها السلطة القضائية وجعلها فيصلاً في الحكم العسكري بعد أن أُممت الحياة السياسية والاقتصادية وقناة السويس والأزهر ما أثار حفيظة الشرفاء من القضاء في مصر وعلى رأسهم رئيس محكمة النقض المرحوم المستشار يحيى الرفاعي الـمُلقب بعدها بـ «الضمير الثائر» لأفكاره التي يدعو إليها من استقلال القضاء عن السلطة وحيادية الجهاز حتى لا تؤكل حقوق الناس وتتحقق العدالة.

 

فما كان من عبدالناصر إلا التجسس على القضاء وانتهاك حصانتهم لكتابة التقارير السرية المفبركة عمن يعارض «تأميم القضاء» وتحويله لقسم من أقسام الدولة وكلف د. جمال العطيفي بمجموعة قرارات جمهورية عزل بها رئيس محكمة النقض وأكثر مستشاريها وفصل ما يزيد على مئتي قاضٍ من بينهم «الرفاعي» ونقل بقيتهم لخارج القضاء بتلك التقارير الأمنية الكاذبة أو ما نسميه اليوم البلاغ الكاذب والتحريات لكن بشكل مفبرك.

 

ثم بعد وفاة عبدالناصر سُحبت قراراتهم لانعدامها قانونياً وتمت إعادتهم للعمل مع تعويضهم عما لحقهم جراء العزل عدا من تجاوز السن فقد تمت إحالته للتقاعد بعد تعويضه عما لحقه من أضرار من يوم عزله إلى يوم تقاعده تعويضاً مادياً وأدبياً.

هذه الحادثة تذكرني بما حصل مع وكيل النيابة «حمد عبدالملك» عندما قام ضابط أمن دولة بتقديم بلاغ مفبرك وتحريات ملفقة لتسجيل ضده القضية رقم (175/ 2007 حصر قضائي) دون أن يعلم عنها «حمد عبدالملك» المتهم فيها لتنتهك سريته وحصانته ويحقق مع جميع أطراف القضية إلا هو (حمد) ويفصله بها وزير العدل جمال شهاب في 6/ 5/ 2008 عن قضية جنائية لم يحقق معه فيها وتُوقع عنها عقوبة إدارية!! ولنتجاوز أنه لا يخضع لمحاكمة تأديبية فهو مواجه بقضية أمن دولة لا يدري عنها شيئاً بل صُدم بها بعد أكثر من عام من فصله بعد أن سربت له أنا مذكرة الفصل فإذا به يُصدم بأن هناك قضية قد تم تسجيلها ضده ولم يحقق معه فيها وهي التي كانت سبب فصله من الوظيفة ولا يدري عنها شيئاً!!

 

ان من حرك ذلك ضابط وليس القضاء الذي نكن له كل احترام ولا الأجهزة الأمنية إنما تصرف فردي من ضابط أمن الدولة، فالكويت ليس فيها أصلاً فكرة تأميم القضاء بل الجهود تسير لإعطائه مزيداً من الاستقلال والتشبيه لا يقتضي المطابقة من كل وجه ولا التعميم فالخطأ يبقى قاصراً على أصحابه؛ إلا أن ما وقع مع «حمد عبدالملك» الرؤية الضيقة له تراه أنه حالة فردية (وإن كان ذلك لا يقلل من شأن الظلم الذي وقع عليه) بينما هي ليست كذلك فهي ملف حريات وضمانات قد تستطيل لغيره من الأفراد فهو لم يحترم بحصانته القضائية فما بالكم بغيره من الأفراد الذين لا يتمتعون بأي حصانة.

 

لذلك أهيب بالمسؤولين رفع الظلم عنه وتمكينه من حقوقه الدستورية والقانونية ومحاكمة الضباط، ووزير العدل يضطلع بدور كبير في مظلمته فهو الوحيد الذي يملك سحب قرار فصله المعدوم وإحالته للتقاعد الطبي، كما أهيب بالاخوة أعضاء مجلس الأمة التحرك لمظلمة «حمد عبدالملك» الحقوقية حتى لا تتحول لا سمح الله «مذبحة القضاة» الى «مذبحة النواب» على صفيح كذب التقارير الأمنية المغلفة بالتحريات والبلاغات الكاذبة والله ولي التوفيق.