مفتي مصر وفتوى التطبيع

نشر 22 ابريل 2012 | 09:09

 

عندما أطلق "الرئيس الفلسطيني" محمود عباس دعوته إلى العرب والمسلمين لزيارة القدس المحتلة لكسر الحصار الإسرائيلي المفروض عليها، ومساعدة اقتصاد أهلها الذين يواجهون ظروفا صعبة لتناقص عدد الزوار، عارض الكثيرون هذه الدعوة، وكان الشيخ يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العلماء المسلمين أبرزهم، لأنه رأى فيها دعوة صريحة للتطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي.

 

بالأمس كان الشيخ علي جمعة مفتي الديار المصرية ابرز المستجيبين لدعوة الرئيس عباس، حيث زار المدينة المحتلة بصحبة الأمير الأردني غازي وصلى في المسجد الأقصى وأصبح أعلى مرجعية دينية إسلامية رسمية تقوم بزيارة المدينة المقدسة تحت الاحتلال الإسرائيلي.

 

ومن المفارقة أن زيارة المفتي جمعة تزامنت مع قرار إسرائيلي بمنع الشيخين عكرمة صبري أمام المسجد الأقصى ورائد صلاح ابرز قيادات عرب الأراضي المحتلة عام 1948 من دخول المدينة والاقتراب من المسجد الأقصى ناهيك عن الصلاة فيه.

 

وهذا المنع المجحف للشيخين والسماح لمفتي مصر بالصلاة في الأقصى هو تأكيد على أن السلطات الإسرائيلية تشجع الزيارات التي تهدف إلى التطبيع، وإعطاء صورة مغلوطة عنها بأنها متسامحة مع إتباع الديانتين الإسلامية والمسيحية، ولا تمنعهم من أداء شعائرهم الدينية بكل حرية.

 

الشيخ عكرمة صبري تعرض للمنع وهو ابن الأراضي المقدسة لأنه يعارض الاحتلال بقوة في كل خطبه ويؤيد الانتفاضة ضده، أما الشيخ رائد صلاح الذي انتصر في معركته القضائية ضد قرار السلطات البريطانية واللوبي الإسرائيلي الداعم لها بإبعاده ومنعه من دخول بريطانيا، فقد كان من أكثر الدعاة المسلمين صلابة في فضح الحفريات الإسرائيلية تحت أساسات المسجد الأقصى والرامية إلى تقويضها تمهيدا لهدمه.

 

لا نعرف كيف سيبرر المفتي جمعة زيارته التطبيعية هذه التي قد تشجع البعض للحذو حذوه واعتبار زيارته نوعا من الفتوى الشرعية، فطالما أن مفتي الدولة العربية الإسلامية الأكبر زار المدينة المقدسة وصلى في مسجدها فلماذا لا يفعلون الشيء نفسه؟

 

إنها زيارة خطيرة بكل المقاييس وتصب في مصلحة الدعاية الإسرائيلية الكاذبة حول احترام حرية الأديان، وجعل المدينة المقدسة مفتوحة لجميع أتباعها دون تفرقة، ومفتي مصر بهذه الزيارة يكرس هذا الادعاء الصريح في كذبه وتضليله.

 

الشيخ يوسف القرضاوي المرجعية الإسلامية أباح للفلسطينيين فقط زيارة الأراضي المقدسة، وحرمها على جميع الجنسيات الإسلامية الأخرى منطلقا من موقف راسخ في معارضة التطبيع بكل أشكاله، وتعرض إلى حملة شرسة وصلت إلى درجة التطاول عليه من قبل السلطة ورئيسها وبعض الشخصيات الدينية الملتفة حولها.

 

ومن المؤسف أن البعض يجادل بان الرسول صلى الله عليه وسلم زار الحرم المكي الشريف وصلى فيه أثناء خضوعه لسلطة كفار قريش، ونسي هؤلاء أن الكفار هم أهل مكة الحقيقيون، أي أنهم لم يحتلوها ويطردوا أهلها ويغيروا معالمها، ويقوضوا أساسات الحرم، ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم 'موحى له' ويأتمر بأمر الخالق جل جلاله، فهل الرئيس عباس ووزير أوقافه ومفتي مصر وكل دعاة التطبيع الذين يضربون هذا المثل لتبرير وجهات نظرهم من الذين يهبط عليهم الوحي مثل الرسول صلى الله عليه وسلم؟

 

ندرك جيدا أن المقارنة لا تجوز وليست في غير محلها فقط، ويجب إعلاء الأصوات ضد مثل هذا النوع الخطير من التطبيع مع عدو طمس هوية القدس العربية الإسلامية كليا.

 

البابا شنودة رحمه الله كان صلبا في معارضته زيارة القدس وتعرض للسجن والإقصاء من قبل الرئيس محمد أنور السادات بسبب ذلك وصبر على الظلم والضيم ولم يتنازل عن موقفه الوطني والأخلاقي حتى اللحظة الأخيرة من حياته فما بال علمائنا المسلمين يحللون ما حرمه بابا الأقباط؟.

 

علماء المسلمين الكبار يجب أن يجتمعوا ويواجهوا الشيخ جمعة بالحقائق الشرعية الدامغة التي تدين موقفه هذا، وان يطالبوا بعزله إذا ما تيقنوا انه اقترف جريمة التطبيع مع عدو يحتل الأرض ويهود المدينة المقدسة ويقتل آلاف المسلمين في حروبه التي لم تتوقف منذ احتلاله ارض فلسطين