الخضر وبناته

نشر 21 ابريل 2012 | 06:02

 

من الممات إلى الحياة ومن الضيق إلى السعة، ومن الأسر إلى الحرية، ومن الوحشة إلى الأنس، ومن الفرقة إلى اللقاء عاد الخضر العدناني الفلسطيني ليعانق سماء فلسطين وأرضها بأمر ربه بعد أن ظنّ من يثقون بالحسابات والأيام والمعطيات والظواهر أن لا حياة ولا حرية ولا تلاقي.
وقد يجمع الله الشتيتين بعدما    يظنان كل الظن أن لا تلاقيا
ستة وستون يوما فوق قدرة الاحتمال البشري بكل المقاييس العلمية والطبية كانت حقا برعاية ربانية لا يفقهها إلاّ أحفاد إبراهيم عليه السلام الذي علم أنّ هناك غذاء وشرابا غير ما يستهلكه البشر، ونبّهنا فما انتبهنا على كثرة ما قرأنا حتى رأينا بأمّ أعيننا قوله تعالى ماثلا في بشر "وهو الذي يطعمني ويسقين"، بل وحديث رسوله صلى الله عليه وسلم يوم أخبر عن نقص الطعام في آخر الزمان، فسأله الصحابة: وماذا يفعل الناس؟ فأجاب: يهللون ويحمدون ويكبّرون وذلك يجزىء عنهم مجزأة الطعام أيّ يسدّ مكانه، وسيرة الصحابي الأسير خبيب بن عدي الذي أخبرت عنه المرأة التي كان أسيرا في بيتها فقالت: "لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بـمكة يومئذٍ ثمرة، وإنّه لموثق في الحديد، وما كان إلاّ رزق رزقه الله".
لا بد أنّ في معجزة حياة الخضر العدناني شيء لا يعرفه إلاّ خضر عدنان الذي ربما نحل جسده فيما نرى إلاّ أنّ قلبه ظل ممتلئا، بل وفائضا بصنوف غذاء لا يعرف مذاقه إلاّ من جرّبه من أهل غذاء الروح الذي يصبّر الجسم الضعيف النحيل ويمدّ بطاقة الصمود.
هذه كانت قصة الأمس تشبهها قصة كانت ترويها جدتي عن رجل مبارك في قرية اسمها الخضر من قرى فلسطين.
قصة رحلة الموت كانت قصة البارحة، أمّا قصة اليوم فهي قصة ألف ليلة وليلة الفلسطينية، قصة ألف شهيد وشهيد، قصة ألف أسير وأسير وألف انتصار وانتصار، هي قصة تنتهي ككل القصص الخيّرة للناس الطيبين الذين يعيشون في ثبات ونبات ويزيّنون الدنيا بالصبيان والبنات تحت أعلام الحرية والنصر، هي ليست أسطورة ولا قصة خيالية، بل هو وعد الله لعباده المؤمنين.
قصة اليوم قصة بنات الخضر الفلسطيني في حضن والدهن، قصة تلخّصها ضحكة أب وكأنّه ما رأى في حياته حزنا ولا ألما قط، وقصة طفلتين مؤنسات غاليات لا يعرفن من الدنيا سوى هذا الحضن الدافىء الآمن وكأنهن ما فارقنه يوما.
هو مشهد خالد لا يجب أن ينسى، هي قصة أخرى يجب أن تخلّد مثل قصة الخضر وسيدنا موسى عليه السلام يوم قال له الخضر: اصبر فإنّ صبرك محمود العاقبة، وكل بلاء سينتهي إلى رحمة من الله "رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرا".
الخضر الفلسطيني وفي حضنه زهرتين جميلتين صورة تبشّرنا بأنّ القدس ستتحرر والأسرى سيتحررون، وبأنّ النصر مع الصبر وأنّ مع العسر يسرا، وأنّ نتيجة امتحان هذه الأمة إحدى الحسنيين: إمّا نصر وإمّا شهادة.
صورة خضر عدنان مع ابنتيه صورة لكل محزون أو يائس أو متخاذل، تقول أنّ طريق النصر قريب لمن ضحّى وقدّم وسبق.
ونحن موعودون إن كنّا مؤمنين أنّ سيرتنا وصورنا ستحوي الكثير الكثير من "وأخرى تحبّونها نصر من الله وفتح قريب".
فسبحان من أحيا عظام الخضر وروحه وقلبه وآتاه أهله ومثلهم معهم رحمة منه سبحانه وذكرى للعابدين.