حضانة الأمراض والأفكار

نشر 21 ابريل 2012 | 06:01

 

 
في المرض يزحف الجرثوم ويضرب، كما هو الحال في انتشار وباء المذهبية هذه الأيام، فلو ذهب شيعة أي مذهب إلى كندا لما نشروا شيئا، سوى اقتتالهم الداخلي، ومن سوف يضبطهم هناك وخرافاتهم، هم الشرطة الكندية. وجعلت مطافئ الإسعاف المدني لمعالجة حرائق شتى. وعلينا أن نفهم أن القتال المسلح شرع في الإسلام لإطفاء الحرائق وليس لإشعالها. وحين يدخل الفيروس إلى البدن المستعد، لا ينفجر ضربة واحدة، بل يدخل في دورة حضانة، يعرفها الأطباء جيدا وهي باللاتينية (Incubation)، وهكذا فإذا دخل فيروس (البوليو) مسبب شلل الأطفال، ما عطب فورا بالشلل، بل له دورة دخول واختباء ودوران وانتقاء، فدخل الفم، فاختبأ في الحشى، فدار مع الدم، فاصطفى القرون الأمامية، من الحبل الشوكي، حيث مراكز الحركة، فأصيب الطفل بالوهن والسخونة والإسهال، ثم بتلين العضلات والكساح. وهو مرض نجوت أنا منه، لأنني كسبت المناعة بدون علمي، وأصيب به روزفلت الرئيس الأمريكي فحكم وهو على الكرسي النقال.
وكذلك الحال مع فيروسات البعث الضارة، وانهيار مناعة الجسم العربي. والأمراض بحضانتها أنواع، منها ما ضرب وانفجر (Outbreak) في أيام مثل الحصبة، ومنها في أسابيع مثل الكزاز، ومنها من احتاج مائة يوم مثل التهاب الكبد الإنتاني.
وبين الدخول والانفجار تأتي مرحلة الحضانة، فلا يظهر المرض، ولكنه موجود، وتقابله فترة بعد تغلب الجسم عليه، كما سيفعل الجسم العربي بإذنه تعالى من التخلص من الوباء البعثي والمذهبي. وعندما يتعافى المريض فهو حامل، وهنا قد يأتي غير المستعد فينتقل له المرض حثيثا. فوجب الانتباه، فالمريض تعافى، والمرض موجود. ونقل (مالك بن نبي) هذا إلى مستوى انتشار النبوات؛ فقال بحضانة الإسلام السريعة بين انتشاره وظهوره، مقابل تأخر المسيحية في حضانة ثلاثة قرون، قبل ظهورها على السطح وسيطرتها على المجتمع.
ونقل (توينبي) هذا المفهوم إلى مستوى الحضارات. وعممها (قاسم أمين) في كتابه (تحرير المرأة) الذي صدر عام 1897م من أن الأفكار تبذر وتدفن، ثم تضرب في الأرض، وتحتاج عقودا حتى تؤتي أكلها. وكذلك فترة حمل الجنين، فإن كان كاملا خرج، وتابع طريقه وإلا أجهض وخرج مشوها.
وهو ما ينطبق على أي فكرة ليبرالية أو بعثية أو فاشية، والآخران متشابهان، فالبعثية رضيعة الفاشية، نبتت في زمنها، وترعرعت معها، وتخلص العالم منها وما زال وباؤها عندنا، شهادة على بدن عليل.
“والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا”.