• مدخل.
كم عجيب هذا القرآن! في كل قضية تجده قد طرحها بإحاطة بالغة في سطور معدودة. وفي موضوع السلطة والثروة، تأمّل سورة القصص التي حدّثتنا في أولها عن الطغيان السياسي في قصة فرعون، وفي آخرها عن الطغيان الاقتصادي والمالي في قصة قارون.
وقد كتبت منذ عشر سنوات كتاباً عن سورة القصص، ومما قلت هذا السطر: "تعود السورة في خواتيمها لتكلّمنا عن قصة قارون، وهو مثال لطغيان المال والاستكبار الناشئ عن الثروة، كما كان فرعون مثالاً للاستكبار الناشئ عن القوة السياسية" ص 128، وقلت في ص 129: "إنّ القرآن قدّم مرة فرعون على قارون، وقدّم قارون على فرعون في إشارة إلى خطورة الطغيان المالي كخطورة الطغيان السياسي".
وأشرت ضمن الحديث إلى جامعي الثروات العرب الذين يكدّسون المليارات، وأنّ السماح لهم بهذا الجمع يقتضي انسلاخهم عن دينهم وقومهم وقضايا أمتهم. ص 130 أخذاً من قوله تعالى: "إنّ قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز.."، ولا أريد أن أطيل النقل.
وكم رددت في الدروس وهي مسجّلة على كل حال: إنّ أسوأ الزيجات زواج السلطة مع المال وجمع التجارة والإمارة. وقلت: إنّ أسوأ ذرية هي الناتجة عن هذا الزواج. لأجد الأستاذ الكبير هيكل في يوم كتابة هذا المقال قد كتب عن زواج السياسة مع المصالح.
وستجد في المقال نموذجاً صارخاً على هذا الفساد "فندق هيلتون طابا" وتزاوج المصالح مع السياسة، فإلى تلخيص لما يقول هيكل.
السلطة والثروة، هذا هو عنوان الفصل الثاني عشر من كتاب الأستاذ الكبير محمد حسنين هيكل: مبارك وزمانه، وهذه هي الحلقة الثامنة من هذه السلسلة.
يشير الأستاذ هيكل في بداية الحلقة إلى خطة الأمن التي تكلّمنا عنها في الحلقة السابعة، فيقول: كان البند الثالث في خطة الأمن اجتماعياً واقتصادياً، وفكرياً وثقافياً. والحقيقة أنّ الظروف كانت تفتح الأبواب واسعة لهذا البند. وبدا واضحاً أنّ مستجدات اقتصادية واجتماعية هبّت رياحها على مصر، وتوافقت معها فوائض ثروات من قفزة أسعار البترول (بعد أكتوبر)، هذه الفوائض أشاعت جواً من التوقعات تفاعلت بين المستجدات والتطلعات. ونشأ مناخ مستعد ومهيأ لكل شيء أيّ شيء، ولأن الظروف تستدعي الرجال، فقد كانت تلك هي اللحظة التي ظهر فيها رجال مثل المهندس عثمان أحمد عثمان (هذا في مصر كمقاولات بن لادن في السعودية!) بالقرب من الرئيس السادات (أقول ومثل سيد مرعي ومحمود أبو وافية وغيرهم..) مبشرين بالمنطق العملي والواقعي دون أوهام أو خيالات.
يقول هيكل وقد سمعت من كيسنجر شرحاً مطولاً عن ضرورة ظهور طبقة أو جماعات اجتماعية تؤيد السياسات الجديدة، لأن مصر تواجه فراغا طبقيا بعدما فكك ناصر طبقة كبار الملاك بالتأميم، ففقدت الطبقة العليا قاعدتها، والطبقات الوسطى والفقيرة لم تتمكّن من صنع قاعدتها بعد.
كان دور القطاع الخاص قد برز لأسباب بعضها صحيح، وبعضها مبالغ فيه، وبعضها مصطنع، وفاتهم أنّ القطاع الخاص يحتاج إلى وقت لنضوج رأسمالية واعية بالتزامها الاجتماعي، دون عدوان، بأن تدخل إلى السوق بمشروعات موصولة بالاقتصاد الوطني.
وأمّا المصطنع فالاستيلاء على القطاع العام (تعبير الاستيلاء دقيق جداً ونحن تابعنا مصر في تلك الحقبة عن كثب، فقد كنّا في قلب تلك التحولات في الدراسة في مصر!)
وعندما بدأت الخصْخصة 74 ثارت قطاعات كبيرة من الرأي العام، وتوقّفت الخصخصة مؤقتاً، لكن الاهتمام تركّز على التوكيلات الأجنبية، التي كانت تستورد ما قيمته في ذلك الوقت 12 ملياراً بنسبة ربح تقدَّر ب2 مليار دولار.
وكانت هذه التوكيلات بالكامل ملكاً للأجانب قبل سنة 56، واستردّها ناصر وطنياً، يعني بالتأميم، وليس التمصير، لأن التمصير ينقل هذا القطاع من الأجانب إلى القادرين من المصريين، بمعنى أن يزداد الأغنياء غنى والفقراء فقراً.
والآن (زمن السادات) كانت التوكيلات تطرح للتوزيع على من يقع عليهم الاختيار، ممن يطمئن النظام إلى قربهم من سياساته الجديدة، خصوصاً السلام مع "إسرائيل" والعلاقة الخاصة مع أمريكا. وفي سنة 75 جرى توزيع ما يقارب ألفي توكيل، وبجرّة قلم أصبح في مصر ألفان من أصحاب الملايين الجدد، وكانت تلك هندسة طبقية أحدثت خللاً مفاجئاً في توازن الدخول لا تبرره الأوضاع الاجتماعية، لكنه أعطى سنداً اجتماعياً للسياسات الجديدة. ثم جاءت الخطوة التالية زمن مبارك وبدأ التصرف في القطاع العام، وبخصخصة أنجح وأكبر الشركات في مصر وأكثرها ملاءة وربحية، بتسييل أراضي الدولة، ثم تطويق قطاعات مهمة بمصالح مالية ذات طبائع عنكبوتية، تنقضّ على مواقع محددة مثل البترول والغاز، وخدمات الطيران ومراكز الإعلام.
في هذا المناخ نشأت علاقة غرام بين السلطة والمصالح التي تفتّحت شهيتها على أبعد مما كانت تحلم به. والشاهد أنّ العمل الحثيث في خدمة مشروع التوريث كان نوعاً من الأمل في تحويل العلاقة بين المصالح والسلطة، من مجرد غرام إلى عقد زواج.
وحتى تلك اللحظة كانت السلطة هي التي تمنح وتعطي، والآن فإنّ المصالح عليها أن تثبت قدرتها وتؤكد فائدتها. وفجأة لاحت فرص الهدايا تقدّمها المصالح إلى السلطة، وقضية "طابا" تستحق الوقوف. ثم نبّه إلى أنّ "إسرائيل" طوال المحادثات التي أجراها كيسنجر حول فك الاشتباك أرست مبدأ هو فخ سياسي، هو مبدأ الفصل بين السيادة والأمن.
فمصر تستعيد سيادتها على سيناء، ولكن هناك ترتيبات أمنية (أمن "إسرائيل" بالطبع كما يقول هيكل)، يتحتّم إجراؤها على الأرض (مسمار جحا بلغتنا البلدية!)
وكانت فكرة وضع قوات دولية في سيناء نوعاً من الفصل، وهذه القوات أمريكية لها دوريات تفتيش ونقط تسمّع، وأصبحت القوة المصرية المسموح بها (750) فرداً من حرس الحدود على اتساع منطقة تعدل نصف مساحة "إسرائيل".
ثم يشرح هيكل الانسحاب من طابا، ويقول إنّ مذكرات شولتز كشفت السر. يقول إنّ المستشار القانوني لوزارة الخارجية الأمريكية (إبراهام صوفير) (يهودي واضح!) توصّل إلى حل يعطي مصر حق السيادة ويعطي "إسرائيل" حق الانتفاع.
وجاء الحل فخاً، وبمقتضاه ظهرت مجموعة من رجال الأعمال المصريين والإسرائيليين أنشؤوا شركة سياحية دولية تدير الفندق الكبير في طابا، وشكّل مجلس إدارة مصري إسرائيلي والعملة المتداولة بالجنيه والشيكل. والسياسيون لم يكونوا يفهمون شيئاً لانتقال المسألة من وزارة إلى وزارة، ولم يتوقف أحد عند التفاصيل. ثم جاءت حادثة سليمان خاطر (مجنّد مصري قتل سائحاً إسرائيلياً وجرح ستة) (قتل في زنزانته). إنّ رجال الأعمال الجدد استجابوا للمطلب الإسرائيلي وجمعوا مبلغ التعويضات التي طلبتها "إسرائيل" وتم دفعه بهدوء (وتم قتل خاطر من أجل خاطر اليهود!)
وكانت العلاقة بين المصالح والقرار السياسي تزداد، حتى يتحوّل الغرام إلى زواج ويسدل الستار على وليد التوريث، ولذلك لم يكن غريباً أن تجيء انتخابات آخر مجلس شعب 2011 وفيه عدد غير مسبوق من رجال الأعمال، يريدون أن يكتبوا النصوص الآن وفي المستقبل! ولو أنّ أحداً راجع الوفود المتحركة على الطريق إلى واشنطن لظهر أمامه الدور المتزايد للجماعات الجديدة الصاعدة في مصر، وهي تلتصق بالسلطة، وكان هؤلاء يعملون على حث أمريكا على مساعدة مبارك، وأنّ الحاضر يحكمه الأب، والمستقبل يحتاج إلى الابن. وتسرّبت الطبقة الجديدة إلى الإعلام والثقافة (أشهد وأنا أتابع كل أسبوع حوالي عشر دوريات مصرية وأرى حجم الهيمنة الأمريكية على الإعلام، وحجم الهجمة على الإسلام والإسلاميين!)
وفي عشر سنين 75-85 فقدت الجامعات المصرية 55 بالمئة من طاقتها العلمية، والمدارس 42 بالمئة من الطاقة التعليمية.
ثم تكلّم عن الحملة على نهر النيل لحصار مصر، وختم الفصل بكلمة لميتران يسأل المصريين: لماذا شوّهتم وجه النيل بهذه الصورة المعادية للحضارة وللحياة؟!
ونواصل كشف أستار مبارك وأسراره!