- مدخل:
لم تفارقني لحظة طيلة أيام التفكير بموضوع حراسة أمريكا لهؤلاء، ولم تغب عن خاطري مقولة الفارسي لمّا رأى عمر ينام على قارعة الطريق وقد وضع نعله تحت رأسه، والريح تسفي عليه من الغبار، ولا يبالي، فقال الفارسي: حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر! وأمّا هؤلاء فحكموا وامتازوا على الشعب وظلموا ونهبوا وخانوا وأتوا على الأخضر واليابس وأتعسوا الشعب ومزّقوا النسيج الاجتماعي، وأفقروا الجماهير، و"تعاملوا"، فخافوا فلجأوا إلى أمريكا و"إسرائيل" لتأمينهم وحمايتهم! فتأمّل الفرق!
وإنّي كلّما فكّرت في التوقف عن إكمال هذه السلسلة، خشية الإطالة والإملال، فاجأني زخم المعلومات وأهميتها، وضرورة أن نعرفها فأجبرت على التواصل والمواصلة، مرْغماً، فمن أين لنا هذا المصدر الغني الموثّق لولا الأستاذ الكبير هيكل؟!
ودرس مبارك درس مهم لأنه عينة ونموذج على رعاية أمريكا للدكتاتوريات في العالم العربي، وشعارها المخادع المراوغ المرفوع يتقدّم تحركها في بلادنا: "دمقرطة العالم العربي"، و"دعم جمعيات المجتمع المدني للمساعدة في نشر الديمقراطية"، وهي الحارس والراعي الذهبي للرعاة الدكتاتوريين والمستبدين الفاسدين، وإلاّ فما معنى إصرارها على المالكي، مثلاً، وهي تعلم جرائمه وتوحشه واستبداده وفرديته وتعصبه المذهبي وعنفه ودمويته وانحطاطه وسرقاته؟
اقرأ..لتعرف حجم التعاون والترابط العضوي بين الإمبريالية والدكتاتورية!
الفصل الحادي عشر من كتاب الأستاذ هيكل المهم: مبارك وزمانه، بعنوان: "الأمن والتأمين"، ويقصد أمن الرئيس وتأمين سلامته. وهذه هي الحلقة السابعة من الكتاب.
يقول في مطلع الفصل: منذ اللحظة الأولى بعد حرب أكتوبر أصبح "أمن النظام" و"أمن الرئيس" قضية أساسية وحيوية لضمان استمرار سياسات مستجدة طرأت على الظروف التي أحاطت بالأسبوع الثاني من حرب أكتوبر وتداعياتها. (المستجد هو أنّ السادات مذ تحوَّل مجرى الحرب بزخم المساعدات الأمريكية ل"إسرائيل" بدأ يتصل بأمريكا عارضاً قبول تسوية سلمية للمشكلة، هذا إن لم تكن الحرب كلها متفقاً عليها مع كيسنجر لصناعة بطل يقبل السلام أو يصنع السلام، وقد كان!)
يقول الأستاذ: وقد جرى طرح موضوع الأمن والتأمين للمرة الأولى أثناء اجتماع بين الرئيس السادات ووزير الخارجية الأمريكي "هنري كيسنجر" (للعلم كيسنجر من أقطاب زعماء الصهيونية العالمية، ومن أعظم أنصار "إسرائيل"، ولم يكن عرب الخيانة و"الاعتدال أو الاعتلال" يسمونه إلاّ بالعزيز هنري..) ونواصل مع الأستاذ، إنّ موضوع الأمن طرح بين السادات وكيسنجر في استراحة أسوان 12/1/74، (على ذكر الاستراحات كان للسادات عشرات الاستراحات، وأذكر أنا سنة 74، 75 كنّا نتنزّه وعائلاتنا في القناطر الخيرية على مقربة من القاهرة، فذات جمعة فوجئنا بحاجز عسكري يسألنا أين؟ قلنا نتنزّه في القناطر، فقالوا: هنا استراحة للرئيس، فانتقلنا إلى الإسماعيلية فجرى الشيء ذاته!) نعود إلى الأستاذ ونأسف لقطع كلامه: وكان تقدير الرجلين معاً أنّ التحولات الكبرى في مصر والسياسات المستجدة على إستراتيجيتها بعد حرب أكتوبر تقتضي إجراءات حماية واسعة للرئيس وللنظام، (والرئيس هو النظام والبلد والدولة والشعب والأمة كلها!)، حتى تتمكن تلك التحولات وتترسخ، (يعني تصبح العمالة والتبعية والخيانة نهجاً وسياسة ومؤسسات وطواقم وكوادر وسحيجة..الخ)
وكان المدخل إلى طرح موضوع الأمن والتأمين أنّ السادات توصّل إلى قناعات نهائية في قراءته لشكل المستقبل في مصر، وهو مقتنع كل الاقتناع بموجباتها:
1- المستقبل لأمريكا، وهو يريد أن تكون مصر في هذا المستقبل "مع" أمريكا.
2- بناء عليه فسوف يتخذ في سياساته الدولية والعربية منهجاً يختلف عمّا جرت عليه السياسة المصرية قبلاً.
3- هو مستعد للتحرك وحده في سياساته الجديدة دون العالم العربي، (لا يا ريس، فكما قال أحمد مطر: الثور فر..وتبعته الحظيرة!)
4- حرب أكتوبر آخر حروب مصر ضد "إسرائيل"، هذا نهج سيجري اعتماده نهائياً للسياسات.
5- تصوره للتطور الاجتماعي سوف يختلف عن سلفه، لأن المستقبل للرأسمالية!
وفوجئ كيسنجر طبعاً بحجم التحول، وبعبارة الأستاذ "تبدّا لكيسنجر أنّ تلك سياسات تتجاوز الحقائق في مصر، إن لم تتصادم معها وساوره الشك في قدرة السادات عليها".
وسألني كيسنجر، يقول هيكل، في 6/11/73 ما إذا كان في مقدور السادات أن ينفِّذ في مصر سياسات جديدة، ودرجة قوته.
يقول الأستاذ ونختصر: وحمل كيسنجر ما سمعه من السادات إلى واشنطن، وهناك جرى بحثه. وعاد كيسنجر إلى مصر والتقى السادات، وكان ما زال على موقفه (راجل!). وكان كيسنجر جاهزاً بخطة أمن ضرورية للرجل المقبل على مخاطر تحول أساسي في اتجاهات مصر، وللإستراتيجية الجديدة التي تحمل مسؤولية سياساتها.
وعرض كيسنجر في هذا الاجتماع خطة أمن بثلاثة محاور:
1- الأمن الشخصي للرئيس، وهو يقتضي إعادة تنظيم حراسة أماكن إقامته.
2- الأمن الإقليمي للدولة، ويشمل أن تكون البلد تحت مظلة منظومة الدفاع الإقليمي الذي تشرف عليه القيادة المركزية الأمريكية. (يعني من أجل شخص يجري الانتداب على بلد بأكمله، فتأمّل هذه الصّفْقة، وتأمّل كم يلعب شخص منحرف من دور في تدمير بلده) وأن تتواكب مع هذه المظلة العسكرية، مظلة أمنية هي شبكة المخابرات الكبرى التي تتلاقى فيها الوكالتان: وكالة المخابرات المركزية العاملة مع مجلس الأمن القومي ووكالة الأمن الوطني في إطار وزارة الدفاع الأمريكية. ويكون الغطاء شاملاً مدنيّاً وعسكرياً عابراً للحدود بين الدول نافذاً للعمق داخل هذه الدول!
3- الأمن الاجتماعي للنظام، وهذا يقتضي إعادة الهندسة الاجتماعية، وخلق طبقات جديدة تسند التوجهات الجديدة. (هذا أخطر من كل ما سبق، فهو يقتضي تفكيك المجتمع وإعادة بنائه وفق المفاهيم والمنظور الجديد. وخلق طبقة من الانتهازيين ورجال البزنس، والنخبة المثقفة والإعلاميين الذين يدافعون عن هذه السياسات. وهؤلاء هم الذين ما زالوا يردحون للإسلاميين ويشهرون بهم ويهزأون من كل المظاهر الإسلامية، وهم طابور طويل لو جئنا نستعرضهم بالأسماء!)
4- واقترح كيسنجر أن تجيء إلى القاهرة مجموعة خاصة من الخبراء تقوم بتدريب قوة الحراسة، وتتولى مباشرة حماية الرئيس، وتضع خطة دائمة لإجراء ضمانات الأمن المطلوبة للرئيس. ويذكر هيكل رسائل كيسنجر لإسماعيل فهمي وأسماء الخبراء وما بنا حاجة إلى التفاصيل. ويذكر فريق كشف المتفجرات، وفريق برئاسة "وولف" مختص في شؤون المخابرات، ويريد أن يلتقي بخبراء أمنكم! وتقاطرت الوفود، وكانت خطة الأمن أوسع من مجرد تشديد الحراسة حول الرئيس.
وذكر الأستاذ عدة توصيات طرحت لأمن السادات: حرس خاص، وسلاح مختلف، وتدريب أعلى، وتأمين أيّ موقع يحل فيه قبل 36 ساعة، وأن يتنقّل الرئيس بعيداً عن شوارع القاهرة، وأن تتعدد أماكن إقامة الرئيس (تعدد الاستراحات والقصور)، التنقل بالهيلوكبتر ما أمكن، وأن ترصد حوافز للحراس في مظاريف عليها شعار رئاسة الجمهورية لضمان الولاء.
واغتيل السادات، وبعبارة الأستاذ "ولكن المقادير ضربت ضربتها" يوم 6/10/81، وخطا مبارك من المنصة إلى القصر الجمهوري، وكان أول اجتماع له اجتماعاً لمسؤولي الأمن والتأمين، فاتخذ "المبارك" إجراءات جديدة منها إغلاق المجال الجوي وقت تحليق طائرة الرئيس، وإغلاق الشوارع من الجانبين أثناء مرور أيّ موكب رئاسي. وذكر الأستاذ حادث إغلاق جانب واحد وغضب مبارك العنيف لذلك، وكان ذلك بناء على طلب شركات الطيران الأجنبية..الخ، ثم اتخاذ شرم الشيخ مقر إقامته وكان ذلك رأي الخبراء الأمريكان (لا أغبياء العربان)، وذكر مزايا الشرم قربها من السعودية والأردن و"إسرائيل"، هكذا قال على كل حال، ومن مواقع المراقبة الدولية (بل الأمريكية) في سيناء.
ثم ذكر الأستاذ كم كانت تتكلّف الموازنة من النفقات إذ تنتقل الدولة كلها من أجل عيون الرئيس. يقول هيكل: "ووصل هاجس الأمن والتأمين بمبارك وحاشيته إلى درجة عبثية".
وذكر بتفصيل انتشار أجهزة التنصت على هواتف الناس بدعوى الأمن، وعلى الوزراء! وكان مبارك يردد إذا سئل عن إقامته في الشرم: إنّ إقامته هناك تشجّع السياحة!
ويتحدث الأستاذ هيكل عن الاختراق الأمني الأمريكي، وكمّ المعلومات التي جمعت عن كل الدول و"رموزها". وينقل الأستاذ عن "وودورد" تفاصيل..
ونترك ما قال هيكل عن "كايسي" مدير المخابرات المركزية الأمريكية، حتى لا نطيل فيطبع المقال بالحرف الصغير. ونتوقف عند أول الفصل الثاني عشر، وهو مهم، موضوعه: السلطة والثروة! فإلى الملتقى!