في الاستراتيجية (الحرب الباردة) 3

نشر 16 ابريل 2012 | 08:58

 

إنه إذا كانت (المذهبية الطائفية) و(الجغرافيا السياسية) هي الملمح الأول لهذه الحرب الباردة التي تحدثنا عنها في مقالين سابقين، فإن عامل (القوة والتسلح والإعلام، وتعزيز الوجود خارج الحدود) هو الملمح الثاني لهذه الحرب الباردة.

 

إنه لمن المؤسف أن تتزايد وتتصاعد معركة التسلح في إيران ودول الخليج، وأن يكون هناك نشاط محموم ومبرمج من أجل امتلاك أكبر قدر ممكن من أدوات التدمير والرعب التي يعرفها العالم، سواء على مستوى الذرة، أو الأسلحة الثقيلة التقليدية، وأن تنفق الدول جزءًا كبيرًا من موازنتها السنوية على سباق التسلح، على نحو تجحف بالتنمية والنهضة.

 

وفي ضوء سباق التسلح ترتفع لغة التهديد في الخطاب المتبادل في المنطقة التي أسميناها (الشرق العربي الإسلامي)، حيث لا نرى دقة في تسميتها (الشرق الأوسط)، وبسبب الفعل من ناحية والخطاب التوتيري من ناحية أخرى سكن القلق الخليج العربي، والشرق الإسلامي بكامله، وقدم فرصة ذهبية للاستراتيجية الصهيونية الأمريكية للتقدم، وتأجيج النيران الحارقة، وخلق حالة جديدة تتراجع فيها القضية الفلسطينية إلى الوراء.

 

لا أودّ هنا تقديم دراسة رقمية إحصائية بأنواع الأسلحة والصفقات والأحجام المالية المنفقة والتي ستنفق في السنوات القادمة، فقد أغنتني الدراسات الأكاديمية المتخصصة في هذا المجال، ولكن أودّ أن أقول في الإطار السياسي العام: يلزم جميع الأطراف مراجعة مواقفهم من مشاكل الجغرافيا السياسية التي بينهم، ومن الإطار المذهبي الطائفي الذي يغلفها، ومن سباق التسلح، وإقامة التسلح على قاعدة دفاعية ضد الأخطار الخارجية الآتية من خارج الشرق العربي الإسلامي الذي ينبغي أن يكون متفاهمًا، ومكونًا لكيانية كبيرة موحدة.

 

ثمة حالة من القلق المشتعل من فتيل التهديدات في ساحات عديدة منها العراق، ودول الخليج، ولبنان إضافة إلى المشهد السوري المعقد مع بروز حالة استقطاب حادة داخل هذه الساحات وخارجها إقليميًا، وانشغال شبه كامل عن خطر الصهيونية والاستراتيجية الأمريكية التي تسعى لخلق حالة ما من الحرب الباردة تسمح بتحقيق أهداف وغايات استراتيجية كبرى.

 

الحرب الباردة في الشرق الإسلامي بدأت فِعلاً، وهي في تصاعد الآن، وإذا لم تتوقف عاجلاً، فهي لن تتوقف في الآجل حتى تستكمل غاياتها وأهدافها المتمثلة في نقاط كبيرة منها:

1- استنزاف الشرق الإسلامي ذاتيًا وإضعافه، وإنهاك قواه وقدراته على النهوض واستبقاؤه في دائرة التبعية للغرب الأمريكي.

 

2- إعادة رسم خريطة المنطقة أو جغرافية المنطقة، وتفتيت سلطة الدول داخليًا، وتفتيت الكيانية الإقليمية وحرمانها من التوحد أو التقارب.

 

3- احتواء الربيع العربي أو عرقلة تقدمه ونهوضه.

 

نعم ثمة عودة حميدة في العالم العربي للروح الإسلامية القائدة للمجتمعات، وللحكومات والأحزاب، ولكنها عودة تواجه رفضًا غربيًا وصهيونيًا، ومن ثم استراتيجية مضادة تقوم على صناعة حرب باردة لاحتواء هذا المتغيّر الكبير، والاتجاه به بعيدًا عن فلسطين.

(يتبع)..