"إسرائيل" تنتخب عمر سليمان

نشر 15 ابريل 2012 | 09:16

 

يمكن القول بكل ثقة أنّ "إسرائيل" خرجت الأسبوع الماضي عن طورها، وبدا سياسيوها ونخبها في غاية الإرباك والإحباط في أعقاب تعبير الشعب المصري عن رفضه القوي لترشح عمر سليمان نائب الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، والذي يوصف في تل أبيب بأنّه "مهندس التعاون الأمني والاستخباري" مع "إسرائيل"، و"أوثق" حلفائها في الحرب ضد الإسلاميين، كما وصفه يوسي ميلمان، معلّق الشؤون الاستخبارية في صحيفة "هآرتس". ويرجع قدر من الإرباك الرسمي الإسرائيلي إلى شعور دائرة صنع القرار في تل أبيب أنّ "إسرائيل" تتحمل جزءاً من المسؤولية في تأليب الرأي العام المصري ضد عمر سليمان والمجلس العسكري، بعدما قام عدد من الوزراء والنواب والجنرالات الصهاينة المتقاعدين بكيل المديح لعمر سليمان والتعبير عن رهانهم عليه في إبقاء مصر ضمن المحور الأمريكي الإسرائيلي. ونظراً لإدراك خطورة الأوضاع بالنسبة ل"إسرائيل"، فقد انتهك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حرمة عيد الفصح اليهودي وعقد لقاءً عاجلاً مع كبار وزرائه ومستشاريه، أصدر في ختامه تعليمات صارمة بعدم التطرق لملف الانتخابات الرئاسية المصرية في العلن، على اعتبار أنّ هذا التعاطي يؤدي إلى نتائج عكسية. وقد جاء هذا التحرك غير التقليدي بعد أن سادت حالة من الذهول داخل أروقة صنع القرار في "إسرائيل" جرّاء الاستجابة الشعبية العارمة للشارع المصري للتظاهر ضد ترشح فلول نظام مبارك.

 

"إسرائيل" وهاجس الحفاظ على نهج مبارك

لكن تحرك نتنياهو الاستدراكي لا يغطي على حقيقة الدور الذي لعبته حكومته بالتعاون مع الإدارة الأمريكية في الدفع بعمر سليمان ليترشح لانتخابات الرئاسة المصرية، إذ تبيّن أنّ أحد أهم التوصيات التي توصّل إليها "مركز أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي"، الذي يرأسه رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية السابق الجنرال عاموس يادلين، والذي أعدّ دراسة شاملة بناءً على طلب حكومة نتنياهو والجيش، هي أن تتحرك الولايات المتحدة من وراء الكواليس في تهيئة الأجواء في مصر للإبقاء على نظام مبارك. وتضمّنت التوصيات التي كاد طاقم مركز الأبحاث المهم أن يجمعوا عليها، توصيتين هامتين:

أولاً: تضغط الإدارة الأمريكية على الدول العربية الغنية لتوفير الدعم المالي والسياسي لأحد ممثلي الطبقة السياسية التي كانت مرتبطة بنظام مبارك لتحسين فرصه بالفوز في الانتخابات الرئاسية. فقد افترضت الدراسة أنّه في ظل أزمة الاقتصاد العالمي، فإنّه ليس من الوارد مطالبة إدارة أوباما بتخصيص دعم مالي لتحقيق هذه الغاية.

 

ثانياً: يربط الغرب، وعلى وجه الخصوص الولايات المتحدة، كل أشكال المساعدات لمصر في المستقبل بمدى محافظة قادة العسكر على مكانتهم وصلاحياتهم، على اعتبار أنّهم ضمانة للحفاظ على نهج وسياسات نظام مبارك.

 

ومما يدلل على أنّ مستقبل الأوضاع في مصر يشغل بال صنّاع القرار في تل أبيب بشكل لا يقل عن البرنامج النووي الإيراني، نقلت الإذاعة العبرية عن أحد مقربي نتنياهو قوله أنّ نصف اللقاء الذي جمع نتنياهو وأوباما مؤخراً في واشنطن تطرّق للأوضاع في مصر والتنسيق الأمريكي الإسرائيلي والخطوات المشتركة الهادفة لضمان عدم المسّ بصلاحيات العسكر في مصر.

 

وهنا علينا أن نشير إلى ما كشفته صحيفة "معاريف" قبل عدة أشهر من أنّ وزارة الخارجية الإسرائيلية قد شرعت في حملة دولية تهدف للضغط على دول العالم، وتحديداً في الغرب بعدم السماح بالمسّ بصلاحيات المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مصر.

 

لماذا عمر سليمان؟

يقول معلّق الشؤون الاستخبارية في صحيفة "هآرتس" يوسي ميلمان أنّ عمر سليمان كممثل لنظام مبارك، لم يكتف فقط بالإسهام في محاصرة قطاع غزة وضرب حركة حماس، بل أنّه تحوّل إلى محرّض ل"إسرائيل" والقوى الغربية لاعتماد القوة فقط في مواجهة الحركات الإسلامية. وينقل ميلمان عن مارك بيري مدير "منتدى حلّ النزاعات"، وهو منتدى متخصص في حلّ تقريب وجهات النظر بين الغرب والحركات الإسلامية، حيث يقول بيري: "لقد التقيت عمر سليمان بعيد الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي فازت فيها حركة حماس، على هامش محاضرة نظّمت في أحد مراكز الأبحاث في العاصمة الأمريكية واشنطن، وسألته ما إذا كان يمكن أن تكون حركة حماس، التي فازت بالانتخابات للتو، عنصر استقرار إيجابي في الحكومة الفلسطينية، فكان رد سليمان قاطع وحاد: "لا بكل تأكيد، أنا أعرف هؤلاء الناس، إنّهم الإخوان المسلمين، وهم لن يتغيّروا، إنّهم كذابون، واللغة الوحيدة التي يفهموها هي القوة". ويضيف ميلمان: "أنّه بالاستناد إلى معرفة المسؤولين الإسرائيليين الذين كانوا على علاقة بعمر بسليمان، فإنّه يمكن القول أنّ سليمان لم يذرف دمعة واحدة على مئات الفلسطينيين الذين قتلوا خلال الحرب التي شنّتها إسرائيل على قطاع غزة أواخر عام 2008"*.

ولم يقتصر تعاون نظام مبارك في محاصرة وضرب الإسلاميين، بل تعدّاه للتعاون معها في ضرب ومحاصرة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. وينقل ميلمان عن مسؤولين إسرائيليين أنّ عمر سليمان رفض الرد على نداءات عرفات واستعطافه له للتدخل لرفع الحصار عن مقر إقامة عرفات في رام الله، وسمح بتواصل الحصار عليه حتى وفاته، مشيراً إلى أنّ عمر سليمان كان يكثر في حضرة المسؤولين الإسرائيليين بشتم عرفات بأقذع الشتائم. وقد ساعد نظام مبارك "إسرائيل" في تخفيف أزمة الطاقة من خلال مدّها بالغاز المصري بأسعار منخفضة جداً. ويؤكد ميلمان أنّ عمر سليمان أسهم في التوصل لصفقة بيع الغاز المصري ل"إسرائيل" بأسعار رمزية مقارنة مع سعر الغاز في السوق العالمي. ويشير وزير الداخلية الإسرائيلي الأسبق عوزي برعام أنّ عمر سليمان كان يتباهى أمامه بكراهية "الإخوان المسلمين"، وأنّه كان يحرص على إعطاء مواعظ لكل مسؤول أجنبي يلتقيه تنصبّ على ضرورة ضرب الإسلاميين وعدم السماح لهم بالعمل. ويكشف برعام الذي التقى سليمان، أنّ الأخير كان يطلع المسؤولين الإسرائيليين عن الطرائق التي كانت تستخدمها الأجهزة الأمنية المصرية في محاربة الإسلاميين. ونقل برعام عن سليمان قوله له: "نحن نقطع الليل بالنهار في حربنا ضدهم، من أجل وقف تعاظم قوتهم، وهذا أمر صعب، لأن المساجد تعمل في خدمتهم" **.

هذا هو عمر سليمان وهذا سر التعاطف الصهيوني معه.

 

يوسي ميلمان، عمر سليمان الجنرال المصري الذي لم يذرف دمعة (عمر سليمان هجنرال همتسري لو مزيل دمعا)، "هآرتس"، http://www.haaretz.co.il/hasite/spages/1056695.html

 

** عوزي برعام، ضربة مصر، الإخوان المسلمون بجانب الطريق (مكات متسرايم، هأحيم هموسلميم بتساد هديرخ)، "إسرائيل اليوم"، http://www.israelhayom.co.il/site/newsletter_opinion.php?id=5513