إسرائيل نحو مزيد من الانكفاء

نشر 12 ابريل 2012 | 08:43

 

بقرارها قطع العلاقات مع مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة تكون دولة الاحتلال المسماة إسرائيل قد خطت خطوةً أخرى نحو مزيد من الانكفاء والعزلة عن العالم، وأثبتت عجزها عن التعايش في ظل عالم يحقق تقدماً وإن كان بخطىً بطيئة نحو العدالة والحق..

 

لا يمكن فهم خلفيات هذا القرار الإسرائيلي بشكل كامل دون النفاذ إلى أعماق المكونات السيكولوجية والظروف التاريخية للمجتمع الصهيوني وفهم نظرته للعالم من حوله ومنطلقات هذه النظرة التي تحول بينه وبين التطبيع ليس فقط مع المحيط العربي والمسلم، بل ومع كل شعوب العالم..

 

المجتمع الصهيوني يعيش بعقلية الجيتو الذي تعود عليه اليهود في المجتمعات الغربية، وهو حارة معزولة ومحاطة بأسوار عالية تغلق عادةً في المساء وتمثل أحد أشهر أشكال الحياة الانعزالية.

 

وفي القرآن الكريم نجد إشارةً لهذه الطبيعة اليهودية حين يقول القرآن: "لا يقاتلونكم إلا في قرىً محصنة أو من وراء جدر".. هذه العقلية الانعزالية تعبر عن نفسها بعد إقامة دولة إسرائيل عبر إقامة جدران عازلة تحيط بها من كافة الجهات وتعزلها عن الوسط المحيط بها، فبعد أن أنشأت جدراناً إسمنتيةً وحديديةً بينها وبين الضفة الغربية وقطاع غزة تنشئ الآن جداراً على الحدود مع مصر، ويدور الحديث عن جدر أخرى تفصلها عن كافة الدول المحيطة.

 

هذه الجدران قبل أن تكون إنشاءات من الأسمنت والحديد فهي تعبير عن طبيعة العقلية الصهيونية التي تعجز عن مخالطة الناس والتطبيع معهم، فهناك جدران نفسية هي التي تشعرهم بالحاجة لإقامة هذه الجدران على أرض الواقع.

 

عقلية الجيتو التي يعيش بها المجتمع الصهيوني يمكن إرجاعها في إحدى جوانبها إلى حالة الشعور الزائفة بالتميز والاختلاف عن الآخرين، وتعبر هذه العقلية عن نفسها في المصطلحات التي تنفرد بها ثقافتهم فهم يسمون غير اليهود بالأغيار، ويطلقون مصطلحات خاصة على كل ما هو يهودي للإيحاء بالتفرد عن بقية العالم فهناك التاريخ اليهودي والشعب اليهودي وغير ذلك..

 

نفسية الجيتو هذه هي التي تفسر لنا أيضاً سر تقوقع الديانة اليهودية على نفسها، وعدم انتشارها كما في حالتي المسيحية والإسلام، مع أنها أقدم منهما، فبينما يمثل المسلمون والمسيحيون أكثر من ثلث أهل الأرض، فإن اليهود لا يتجاوز عددهم الثلاثة عشر مليوناً في العالم فهناك ميل في نفوس اليهود إلى عدم الانفتاح على العالم والاحتكاك به ومخالطته، وهناك تحفظ تجاه من يرغبون في التحول نحو الديانة اليهودية، فهؤلاء ينظر إليهم على أنهم لا يتسمون بنقاوة الدم والعنصر التي يتسم بها اليهود الذين ولدوا من أمهات يهوديات..

 

بالانتقال من الشق الديني إلى الشق السياسي فإن هناك علاقةً وثيقةً بين انغلاق المجتمع الصهيوني على نفسه وبين الظروف التاريخية لولادة هذا المجتمع، فهو مجتمع قام من أول يوم على أساس غير أخلاقي تمثل بطرد السكان الأصليين وارتكاب المذابح ضدهم واستجلاب اليهود من شتى أنحاء العالم ليحلوا محلهم، لذا فإن هذا الأساس اللا أخلاقي الذي قام عليه المجتمع الصهيوني يبقيه في حالة قلق دائمة ويحرمه من الاستقرار والحياة الطبيعية، ويفرض عليه أن يظل في حالة عداء مع أي جماعة في العالم تقوم على أساس العدل والمساواة ونصرة حقوق الشعوب أو الاقتراب من هذه القيم إن لم يكن تطبيقها بالكامل..

 

تفرض البنية الوجودية لكيان الاحتلال عليه أن يظل متناقضاً مع قيم الحق والعدل والمساواة، لأنه يدرك أن أي تطور للبشرية في هذا الاتجاه يعني تعريةً له وعزلاً عن المحيط، لذا فإن الأجواء المثالية التي يستطيع أن يعيش فيها المجتمع الصهيوني هي أجواء الحروب وخلط الأوراق والاستقطاب بين القوى العالمية، ففي مثل هذه الأجواء يستطيع كيان الاحتلال أن يناور ويبتز هذه الدولة أو تلك وينتزع منها المكاسب على حساب دعمها في مواجهة أعدائها، لكن حين يجتمع العالم على كلمة سواء وعلى أساس أخلاقي كما يحدث في مؤسسة الأمم المتحدة-ولو نظرياً-فإن دولة الاحتلال لا تستطيع أن تتعايش في ظل هذه الأجواء..

 

لذا فإن الكيان الصهيوني هو أقرب إلى مؤسسة مجلس الأمن منه إلى مؤسسة الأمم المتحدة، لأن طبيعة تركيبة الأولى التي جاءت انعكاساً لموازين القوى في العالم، واشتملت على حق الفيتو الذي لا يستند إلى الشرعية الأخلاقية تعطي هذا الكيان مساحةً كبيرةً للاستفادة منه، بينما في حالة الأمم المتحدة التي تقوم على أساس التمثيل العددي لدول العالم، ففيها مساحة من العدل أكثر من مجلس الأمن فإن كيان الاحتلال لا يستطيع أن يتصالح مع هذه المؤسسة لأنه عاجز عن إقناع العالم بعدالة قضيته الأخلاقية..وتاريخ الأمم المتحدة يبين حجم الإدانات والقرارات التي طالت كيان الاحتلال.

 

إذاً فمشكلة كيان الاحتلال مع مجلس حقوق الإنسان ليست حدثاً مفصولاً من السياق بل هي تعبير عن مأزق وجودي عميق لهذا الكيان يحرمه من التعايش مع أي قيمة للعدل والحق مهما كانت نسبيةً وقاصرةً، وكون هذا المأزق وجودي فإن كل محاولات التجميل التي يسعى إليها الكيان تبدو بائسةً ويائسةً لأن التوافق الكامل مع صوت الشعوب هو مناقض للأساس الوجودي لدولة الاحتلال.

 

شاهد آخر يعكس هذه النفسية الصهيونية وهو النشاط الاستخباري لهذه الدولة، فجهاز الموساد الإسرائيلي هو جهاز مشهود له بالكفاءة العالية ويستطيع أن يصدر خبراته لكل دول العالم وإسرائيل تعتمد بشكل كبير في بقائها على قدراتها الاستخبارية، ومرجع هذا التفوق الصهيوني في المجال الاستخباري هو أن هذا المجال لا يلزمه أن تكون صاحب شرعية أخلاقية، بل إن طبيعة عمل هذا المجال تكون غالباً متناقضةً مع الحق والأخلاق، فهو مجال تترعرع فيه الصفقات السرية والمهمات القذرة والأدوار المشبوهة. فكيان الاحتلال أظهر إبداعاً منقطع النظير في مجال الاستخبارات مثل عمليات الاغتيال والصفقات السرية والدعم الخفي لأجهزة الإعلام، وإثارة البلابل والفتن في مناطق العالم لكنه لا يستطيع أن يبدع في مجال العمل تحت ضوء الشمس الذي يتطلب حشداً جماهيرياً مستنداً إلى قدرة على الإقناع بعدالة القضية.

 

العمل تحت ضوء الشمس يتقنه الذين يثقون من شرعيتهم الأخلاقية وقدرتهم على كسب الجماهير بينما العمل في جنح الظلام وفي الغرف السرية فهذا لا يتقنه إلا الذين يدركون ضعف شرعيتهم الأخلاقية ..

 

نحن الشعوب العربية مطالبون بالانتباه إلى هذا الفرق الجوهري، فعنصر قوتنا الأساسي هو في وسائل التحشيد الجماهيري والخطاب الإعلامي والنهضة الاقتصادية وغير ذلك من وسائل العمل المكشوف تحت رابعة النهار، بينما سلاح الصفقات السرية والأدوار القذرة فإن من يلجأ إليه هم الذين فشلوا في الانسجام مع الشعوب وإقناعها بعدالة قضيتهم.

 

نتوقع من كيان الاحتلال المزيد من العزلة والانكفاء عن دول العالم، فطبيعة نشأة هذا الكيان تحتم عليه أن يظل متناقضاً مع أي هامش للعدالة والحق مهما كان هذا الهامش ضئيلاً، وفي ظل صيرورة التاريخ البشري نحو مزيد من العدالة والحرية والانفتاح والتعارف بين الشعوب فإن هذا الكيان العنصري لن يكون له مكان تحت الشمس في المستقبل..