الشيخ حامد البيتاوي أحيا أمةً في ثباته وأيقظها بعد مماته

نشر 10 ابريل 2012 | 09:07

 

كلماتٌ أطلقها إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد بن حنبل ولا زال يتردد صداها إلى اليوم ثم إلى ما شاء الله عندما ناقش أحد أصحاب البدع قائلا.. موعدنا يوم الجنائز، وتدور الأيام دورتها ويموت هذا المبتدع فلا يسمع أحدٌ بوفاته’ وعندما يموت إمام أهل السنة كان يوم وفاته يوماً مشهوداً في تاريخ الإسلام والمسلمين حيث امتد تشييع الجنازة طوال النهار لكثرة الخلائق التي شاركت في جنازته رحمه الله.

 

يوم الجنائز ونعم الموعد يا أبا حاتم ولا أحب هنا أن أذكر مراكزك في الدنيا ولا الوظائف التي تقلدتها فكنت محبوباً مبدعاً ذا هيبة وقد أديت حق الله فيها فأنت الآن في ضيافة الرحمن، نعم هذا اليوم رغم الحزن والألم الذي خيم على الجميع الذي أعاد للمقهورين صوتهم الذي اختفى لفترة، فكان مدوياً مجلجلاً مرعباً مخوفاً جعلت المبتدعة يضعون أيديهم على قلوبهم بعد أن ظنوا يوماً أن الميدان قد خلا لهم وأن غيرهم قد ذهب إلى غير رجعة ومات ميتةً لا قيامة بعدها، هذه الجماهير التي حملت النعش الطاهر وودعت أبا حاتم بدموعٍ باكية وبحناجر ملتهبة وبكلمات ذات مغزىً بعيد إن مات الشيخ حامد فقد أحيا فينا كل الصفات التي كان يحملها..

 

لقد علمتنا يا أبا حاتم أنه لا يضيع عند الخالق شيء مهما قل وأن الله سيفصل بين العباد في يومٍ تشيب فيه الولدان عند ذلك يتمنى المبتدعة أن لو كانوا تراباً..

 

إنها حرب الله.. من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب وأي حرب في الآخرة وكذلك في الدنيا ومع من..؟ فسيف الله لا زال مشهوراً مسلطاً في وجه البغي رغم أننا لا نراه وأن البغي إلى تراجع واندثار كان على ربك حتماً مقضيا هكذا علمتنا، وكما قال القائل (كم من أناس دفنهم التاريخ في واده السحيق أضجعهم هناك في لحود النسيان فضاعوا وسط الزحام) فكانت جنازتك أبلغ موعظة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، لقد قالها رفيق دربك أبي إسحق ما رأيت جنازة في حياتي أبلغ ولا أعظم ولا أكثر أثراً في النفوس من جنازة الشيخ حامد وقالها أكثر من مشيع لقد بكينا الشيخ حامد وبكت قلوبنا قبل عيوننا ولكن أمام هيبة جنازته عاد لنا الأمل أن أهل الحق أقوياء يلبون النداء إلى هناك وما أدراك ما هناك..

 

في القدس التي عشقتها وفي المستشفى الذي تمرضت فيه في غرفة مطلة على المسجد الأقصى وقبة الصخرة مرت لحظات التاريخ في مخيلة أبي حاتم سريعة سريعة فعادت إليه الروح وأفاض واستفاض في الحديث عن قرب الوعد الآخر وعن إساءة الوجه والدخول الأخير كما كان الأول وعن التتبير.. وهو يحلم يوماً بل ويجزم أن القدس المغلقة ستفتح يوماً رغم حصارها وبؤسها وألمها وحزنها وجرحها لا بد أن تنطلق من عقالها مستذكراً قول النبي عليه السلام لزيد يوم الطائف وبلسان الواثق " يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجاً ومخرجاً "..

 

فها أنت يا أبا حاتم قد أكملت درب من سبقوك من الأحبة الشيخ سعيد بلال والأستاذ ناجي صبحة والأستاذ محمد فؤاد أبو زيد والأساتذة أبي معن والجمالين ثم رفاق مرج الزهور الرنتيسي وإخوانه ثم من قضى من قبل ومن بعد.

 

زرناه قبل يومٍ من نقله إلى القدس وهو على فراش المرض ولما هممنا بالخروج أومأ إلينا أن انتظروا فكان حريصاً على أن يوصينا ويستفيض في الحديث فكانت وصية مودع أوصانا فيها على العمل على وقف الفساد الزاحف وأن المرحلة القادمة ستكون صعبة ودعانا إلى أن نهيء الناس لها لأن في نهايتها إظهار الحق وإزهاق الباطل.

 

حكايات أبي حاتم لا تكاد تتوقف في داخل السجن ولا في خارجه حيث كان يحدثك عن كل شيء وفي كل شيء عبرة ودلالة.. فمن حكاياته عن الشيخ (المبروك) الذي ينظر بنور الله والذي تحدث عن أمور عظام حصلت وأمورٌ أخرى أعظم ستحصل إلى حكاياته عن شجرة التين التي في ساحة منزله حيث كان يعتليها في الصباح بعد صلاة الفجر حيث كان يقرأ عليها ورده من القرآن وأوراده من الذكر فكانت تؤتي أكلها ضعفين.. إلى حكاياته وتجاربه مع أترابه من المشايخ أبو علي، أبو أسامة، أبو بكر، والشيخ فضل حسن عباس والدكتور محمود عبيدات واسحق الفرحان ويوسف العظم وغيرهم إلى حكايات وذكريات السجنات الأول إلى سجناته في سجون السلطة وفي كل ذلك عبر دامغات ودلالات عظيمة وكان مدرسة تربي من خلال القصة والحدث وطوال فترة تمريضه بعد العملية (عملية شق الصدر) كان دائم الحديث عن كل شيء، عن الحلال والحرام والفتوى حتى في الزواج والطلاق عن القدس والأقصى والبشريات والمبشرات، حتى أن زوجته أم حاتم قالت لقد أسلم الشيخ الروح وهو يتحدث، لقد مات دون نزاع أو احتضار في حالة غريبة عجيبة ما رأيت مثلها قطّ.

 

الشيخ حامد كان مدرسة عملية حركية شعاره في ذلك شعار الأنصار (لئن كنا نجلس والنبي يعمل فذلك منا العمل المضلل) وفي لوحة مرج الزهور صورة واضحة فقد كان يخرج في الصباح الباكر لطابور الصباح الرياضي ومعه أقرانه من (الختيارية) أبو فؤاد، أبو أيمن طه ومن في مثل سنهم من أصحاب الهمم وبعد ذلك يعود الى خيمته وهو يجر عيدان الحطب فكان يحتطب من التلال والوديان المحيطة، وفي موسم الحصاد كان يستنفر الشباب لمساعدة فلاحي مرج الزهور من أجل حصاد محصولهم من القمح والشعير وفي موسم الزيتون كان يقضي جل وقته مع الفلاحين وهو الفلاح الماهر في قطف الزيتون ويروي الشيخ إبراهيم أبو سالم أن الشيخ حامد كان يذهب مع بعض إخوانه إلى حقول الزيتون القريبة فيقوم معهم بهز شجر الزيتون ثم تجميع الحب وفي الصباح يأتي المزارعون ليروا محصولهم قد تم تجميعه فيتفاجئوا عندما يعلموا أن المبعدين هم من فعل ذلك، وقبل أيام من عودتنا رأينا الشيخ حامد يوزع على الخيام بعض الأشجار ومنها الزيتون واللوز والعنب وطلب من كل خيمة أن تزرع حولها عدداً من الأشجار من أجل أن يترك المبعدون أثراً يذكر لهم عند الله يوم لا ينفع مال ولا بنون .لقد اتصل بعض الإخوة ممن كان يدرس في أمريكا بمن بقي من المبعدين بعد عودة الفوج الأول حيث كان الشيخ حامد من ضمنهم فقالوا لقد اقشعرت أبداننا ونحن نرى الشيخ حامد يتقدم الصفوف متوجهاً إلى معبر زمرية عائداً إلى الوطن وسرعان ما أجهشنا بالبكاء عندما رأينا الشيخ حامد ينزل على الأرض يخر ساجداً لله بجبته وعمامته متواضعاً له سبحانه بما أنعم من فضله بعودة مبعدي مرج الزهور.

 

الحديث عن الشيخ حامد ذو شجون حديث لا يكاد ينتهي وعلى كل الأحوال فهو الآن في ضيافة الرحمن والذي نسأله تعالى أن يكرم وفادته . وفي الختام لا بد من الإشارة إلى أن الذين اضطهدوا أحمد بن حنبل وضربوه بالسوط وعذبوه قد ساهموا من حيث لا يدرون في نشر فكره والتفاف الناس حوله وعودة الناس إلى دين الله عز وجل وما كانت الأعداد الهائلة التي خرجت في جنازة هذا الإمام الممتحن المظلوم أحمد بن حنبل إلا رسالة واضحة المعالم جاءت في الوقت المناسب فقد أحيا أحمد بن حنبل أمةً في ثباته كما أحياها وأيقظها من سباتها بعد مماته وهكذا هم أهل الصلاح والتقوى والثبات في كل حين ونحسب أن أبا حاتم واحداً من هؤلاء فرحم الله أحمد بن حنبل ورحم شيخنا أبا حاتم وألحقه بالأنبياء والصالحين وجمعنا في مستقر رحمته أجمعين.