• مدخل:
في هذه الحلقة من كتاب الأستاذ هيكل، لو أردنا أن نطلق على مبارك وصفاً أو لحلقتنا عنواناً ربما لن نجد أفضل من "رجل بلا قلب"، فهو عديم الشعور عديم الإحساس عديم الضمير، كما سترى من الوقائع الموثَّقة بأشخاصها وتواريخها. وهذه ميزة الأستاذ هيكل، وقد جاءتني بعض ردود الأفعال تعرّفني بهيكل، وأنا أعرف، لكن بقطع النظر عن الشخص، فإنّ كمّ المعلومات ونوعها التي نطّلع عليها من قراءة كتبه لا تتاح من أيّ مصدر آخر، فلا نحرم أنفسنا من هذه الوثائق لأن هيكل كان إلى جانب عبد الناصر، ما تريدون قوله عندي، مع احترامي. فلنقرأ لنعرف كيف ومن كان يدير مصر!
• عنوان الفصل الثامن من كتاب هيكل: مبارك وزمانه، هو: الإشارات متضاربة. وألخّص ما جاء في الفصل لنعرف كيف كانت تدبَّر الأمور وتُدار في مصر رأس العرب وثقل العرب وطليعة العرب. يقول هيكل: عندما قاربت الرئاسة الأولى لمبارك نهايتها، ارتفعت أصوات تدعو إلى ترشيحه لفترة ثانية، واتصل بي "إبراهيم سعدة" رئيس تحرير أخبار اليوم يقترح أن أبدي رأياً على صفحاتها، يُظهر موقفي من ترشيحه. يقول هيكل: ولم تكن مؤسسة الرسالة بعيدة عمّا سألني. (والكلام واضح أظن).
وكان رأي هيكل باختصار: هناك أسباب تدعو إلى التحفُّظ، ومع هذا فلا مانع من ترشيحه، لكن لي شرطاً أن تكون الفترة الثانية هي الأخيرة، وإلاّ أصبحت وسيلة إلى ثالثة ورابعة وأبدية، ونشر ما قلته.
واتصل أسامة الباز يسأل لِمَ هذا التحفُّظ والتشرُّط؟ فقال هيكل: هذا رأي لا أكثر.
ثم يتحدث هيكل عن تناقضات مبارك، ويدخل في قضايا خاصة كحاجته هو إلى جراحة قلب واقتُرح عليه أن تكون في هيوستن تكساس، فاتصل به مبارك يحذّره بأنّ هيوستن سلخانة، وإنّما يقترح عليه كليفلاند. يقول هيكل: ومرّ يزورني المشير الجمسي (هذا أحد أبطال أكتوبر هو وأحمد إسماعيل أسأل الله لهم الرحمة. وأعرف من ابن عم الجمسي، وكان صديقاً في أيام الدراسة في القاهرة، أنّه في أواخر أيامه ولزم المسجد)
نعود إلى هيكل وزيارة الجمسي، يقول: قلت للمشير ما جرى من مبارك، وإذ بالجمسي يبكي. فقال هيكل: ما يبكيك؟ قال تذكّرت السيدة وفاء زوجتي وقد أصابها مرض عضال، فاقترح عليها أن تعالج في ليون في فرنسا ولم يكن مع الجمسي إلاّ سبعمئة دولار وقد خرج من منصب وزير الدفاع لا يملك إلاّ هذا، ولا يملك ثمن التذاكر، فقررت الدولة تحمُّل تكاليف العملية فقط دون السفر ودون باقي النفقات، فذهبت وحدها، واتصل به الطبيب ليحضر فوراً فعلم أنّ زوجته تحتضر، فرآها في الخمس دقائق الأخيرة وأسلمت الروح. ولم تتحمّل الدولة نقلها، وعندما علم مبارك بأنّ الطائرة غيّرت مسارها إلى ليون لأخذ جثمان زوجة الجمسي استشاط غضباً وقال: من الذي أمر طائرة باريس بأن تمر على ليون؟ (أعتقد أنّ مبارك يعاقب الجمسي لأنه هو أحد ثلاثة كبار ضباط نسخ خطة أكتوبر بخط بيده حتى لا تتسرّب إلى العدو من النسخة والنقلة والطابعين، فعقاباً له عمل معه ما عمل!) تصور أنّ هيكل ينقل عن مبارك عندما قال له ضابط كبير أنّه أمر هو بهذا لأمر طارئ لأنهم خشوا أن يحدث شيئا للجثمان قال: "وأنت ما لك؟ ما تسيبها تعفّن!" (هذا هو مبارك بقلبه الكبير الذي يسَع شعب مصر العظيم وفقراءه، هذا الذي إعادة انتخابه والتجديد لكلابه من أجلك أنت يا شعب مصر ومستقبل أولادك. أرأيتم؟! هل يخطر ببال الشياطين ما قسوة قلب هذا المجرم؟!) يقول هيكل: كان الجمسي يحكي وكنت عاجزاً عن التصديق! (قل يا مستودع الأسرار!) والذي حيّرني، يقول هيكل، موقفه منّي وهذا الموقف من الجمسي.
يقول هيكل: وفحصت قلبي في لندن فقيل لي لا حاجة إلى جراحة، ولمّا علم مبارك اتصل بي وقال "اسمع الكلام ولا تجادل تقديراتي صحيحة، إنّها الخبرة. (يا ولد يا تقيل يا خبير!) وقلت له: رأيك صحيح. قال: ليس رأياً إنّها المعرفة!
يقول هيكل: بعد يومين كنت ضيفاً على الإفطار عند مبارك في قصر التين بالإسكندرية مع علي عبد الله صالح وباسندوة، فشكا صالح من صحفي مصري كتب ضده، فقال مبارك: ألم يصبح اليمن دولة تنتج النفط؟ ودهش صالح، فقال مبارك: يا عم شخشخ جيبك (بلغتنا خشخش!)، وأعطه هبرة، وسوف يكف عن الهجوم عليك! وكنت عاجزاً عن الفهم. وكان موعد الانتخابات لرئاسة ثالثة لمبارك!
• الفصل التاسع: منحنى على النهر.
يقول هيكل: لم أكن وحدي في حيرة وإنّما كثيرون، وربما التاريخ ذاته، في شأن رجل يتصوّر الناس أنّهم يعرفونه جيداً، ثم يتبيّن أنّهم لا يعرفون شيئاً. في ذلك الوقت بدا أنّ مجرى الحوادث في ظاهره لا يكفي لرؤية ما يدور تحت السطح. بدا أنّ العمق المصري يموج بتفاعلات تتسارع حركتها وتتصارع عواملها.
وسرى اعتقاد أنّ هناك درجة من خيبة التوقعات تنتشر، حتى ساد الظن أنّ "الخارج الدولي" يجري استعماله ساتراً للقصور الداخلي (وصلت العبارة. علاقة مبارك بالغرب وتسويقه وزياراته لفرنسا وألمانيا وبريطانيا وأمريكا التي قال عنها هيكل زيارتها كل سنة كأنّها حج وكأنّه نجم سياسي وهو كرة لا تعقل وبقرة لا تعي، وجشع لا يشبع) ولا أريد أن أدخل في تفصيلات احتقار ميتران لمبارك، وأنّ معظم لقاءاته مع مبارك "جلسات حكايات ومعظمها مما يدخل في باب النميمة" (بالنص) النميمة عن رؤساء عرب وساسة يحكيها مبارك. يقول هيكل: قلت لأسامة الباز: إنّ عدداً من ساسة أوروبا لم تعد تريحهم هذه الزيارات. (أعتقد أنّ الصهيونية تفرض على العالم استقبال هذا الثقيل ليظل في المشهد وليكون كما قال الأستاذ قبل قليل غطاء على خزي الداخل!)
يقول هيكل: لم تكن فائدة من هذه الزيارات، وخلف مبارك وفود جرارة، والحصيلة فيض من الصور يسيل على صفحات الجرائد وشاشات التلفزيون في جهد عقيم لا مردود له.
يقول هيكل: وفجأة في أجواء الرئاسة الثالثة وقعت في مصر واقعة، فقد انفجر تمرُّد الأمن المركزي يوم 25/2/86، وانفلت الأمن، وانكشف الساتر عن المستور، واضطر مبارك للاستعانة بالجيش لاستعادة زمام السلطة واستعادها في أسابيع، لكن التداعيات التي ترتّبت أحدثت شرخاً أكبر من مجرد تمرُّد. إنّ الاختلال زاد إلى درجة الانزلاق بدلاً من هبوط السلم (يا سلام على العبارات التي تختزل المعاني الكثيرة وتكثّفها وتصوّرها!)
إنّ الحادثة كشفت مبارك أمام جبهتين: جبهة الخارج، لأنها أوضحت لأمريكا أنّ مركز مبارك ليس بالثبات الذي تصوّروه.
ثم جبهة الداخل، لأن الأزمة كشفته أمام القوات المسلحة، وهي سنده الأخير للبقاء. فهذه الأزمة جعلته يلجأ إلى سنده الأخير ليجعله حاميه الأول (لاحظ العبارات المعبرة والعابرة!)
ثم يشير هيكل إلى اتصال تليفوني من مبارك بشأن ما كتبه هيكل عن تمرُّد الأمن، وأنّه يعكس أحوالاً لا يصح النظر إليها باعتبارها قضية أمن، وإنّما كقضية أوضاع اجتماعية أكثر عمقاً، فقال مبارك: أنت تعطي القضية أكبر من حجمها. فقال هيكل: وإن تمرَّد الجيش بمن تستعين؟ فقال: زمن الانقلابات العسكرية انتهى (صدق مبارك وهو كذوب، لأن الانقلابات كانت تصنعها أمريكا للإتيان برجالها).
يقول: وكلّمني المشير أبو غزالة أنّ هناك من يشي به عند الرئيس أنّه يتآمر لينافس مبارك. قال أبو غزالة: والرئاسة لم تخطر ببالي. ولا أريد أن أدخل في تفاصيل ما كان عليه من رعب من مبارك، فتكلم والقرآن يتلى لئلا يكون تنصت..الخ.
ثم تكلّم هيكل عن دور مصر في أفغانستان (زمن احتلال الروس) وفي حرب الخليج الأولى. وتبدّى لكثيرين أنّ مصر هي الحل، فهي خزّان طاقة بشرية، وفتح باب للعنف يُلهي عن الداخل المصري، فوجد الغرب أنّ مصر تصلح لدور مهم في المنطقة وشخصين بالذات: مبارك وأبو غزالة. وبين الاثنين طبقة مستعدة لما يطلب منها. وشهدت السياسة المصرية أدواراً حساسة تقوم بها في أوائل التسعينيات. وكانت الولايات المتحدة موجودة بشدة في القاهرة، وأصبح مبارك مختصاً بالعلاقة مع الأمن القومي في البيت الأبيض ومعه وكالة المخابرات المركزية والأسر الحاكمة في الخليج.
وأصبح أبو غزالة مختصاً بالعلاقات العملية على الأرض. ويضرب هيكل مثالاً أو أمثلة آخذ منها: احتاج الجهاد في أفغانستان ستة آلاف بغل لتحملها في طلوع الجبال وتكفّل أحد رجال الأعمال باستيرادها من قبرص وشحنها إلى أفغانستان.
وظهرت حالة فوضى شديدة بين السياسة والسلاح والمال في مصر، وفي تلك الظروف وجّه مبارك ضربته لأبي غزالة. وفي هذه الظروف دعيت لأكتب في صحف مصر، فلا يعقل أن أكتب في كل العالم ما عدا مصر، وظهر المقال الأول ولم يعجب مبارك، وكان مكفهر الملامح، وراجع الكفراوي هيكل وقال: "أنت وضعت الرئيس في موضع التلميذ وقرمعت أصابعه بسن المسطرة" واكتفيت بمقالين، ولم أنشر الثالث. فما الدور أو الوظيفة الذي سيحدده الغرب لمبارك؟ هذا ما نقرؤه في الحلقة التالية.