الإنسان والطغيان

نشر 09 ابريل 2012 | 09:56

 

أول سورة نزلت من القرآن ناقشت مشكلة الطغيان «كلا إن الإنسان ليطغى». ووضعت الحل في كلمتين «لا تطعه» ولم تقل «اقتله».

 

كما أنها ربطت الكرامة بالقراءة «اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم».

ولكن النخب السياسية والقيادات الحزبية لم تتفطن لهذا، مع أنها تدين بالإسلام ولا تتعلم إلا بالعذاب المهين.

المهم أن نستوعب ونفكك هذه الظاهرة على نحو علمي وليس ديماغوجياً سياسياً. أي نقل المسألة إلى حقل البحث العلمي أو هكذا أزعم.

 

روى لي معتقل سياسي يساري في سورية لبث في السجن 12 عاماً بسبب تورطه في تنظيم سري، وكان أفضل حظاً من آخرين كثر؛ فقد قضاها في زنزانة جماعية، وهناك من بقي في الإفرادية أطول فخرج يترنح بين الجنون والعبقرية. ورياض الترك بقي في الإفرادية 17 سنة، حتى رأيته معافى يتكلم في صالة القناطر في مونتريال من كندا ففركت عيني! وكتبت عنه مقالة في جريدة الشرق الأوسط بعنوان «سفر الخروج من نفق الديكتاتورية إلى فضاء الحرية».

قال لي السجين السياسي: في إحدى الليالي أراد أن يعاقبنا السجَّان لسبب فلم يعثر عليه، ولكنه رأى أحد الناس يصلي؛ فلما طلب منه المثول بين يديه وترك ربه الأعلى، استمر الرجل في عبادته فلم يشأ أن يقطع صلاته؛ فكلفه هذا أن يسحبه السجَّان، ويرمي به الليالي ذوات العدد في إفرادية مظلمة.كان من يحكم وينفذ هذا جلاد برتبة عريف يملك من الصلاحية أن يتصرف في مصائر الأفراد كيفما يحلو له بالتعذيب والإذلال.

 

إن هذه القصة تحكي مرض (علاقات القوة) بين الناس وتتبدى في صورتها العارية في السجن. وكما قال (أتيين لابواسييه) في كتابه (العبودية المختارة عام 1562م) «يجب أن لا نراهن على الطيبة الموجودة في الإنسان طالما يمكنه أن يؤذي ومعه مفاتيح القوة». نعم يجب عدم المراهنة على طيبة الإنسان، بل على فرامل تكبحه كما في تركيبة السيارة بين دعسة البنزين والفرامل، وإلا كان مصير السيارة في أول خروج كارثة. وهو ما يحدث من الكوارث اليومية في العالم العربي، فيموت البشر دعساً وقتلاً ونفياً وهجرة وموتاً في الحياة. جميل ما ذكره باسكال «أي شيء هذا الإنسان الذي يجمع بين الحكمة وبالوعة الضلال، أن يكون قديساً أو وحشاً. في كل فرح حزن. ومع كل حياة مأتم. فمن يحل لنا هذا التناقض؟».