(إسرائيل) ترحب بقرار لويس أوكامبو المدعي العام في محكمة الجنايات بعدم اختصاص المحكمة للنظر في جرائم حرب ارتكبتها (إسرائيل) في غزة في الحرب الأخيرة ، بحجة أن فلسطين ليست دولة . والمحكمة تنظر في دعاوى وشكاوى الدول.
قد لا تكون فلسطين الآن دولة ، ولكنها أرض وشعب يملك كل مؤهلات الدولة ، بل كانت له دولة تحت الانتداب ، حتى احتل الإسرائيليون أرضه وهجروا الشعب وأقاموا مكانها دولة (إسرائيل) المحتلة، فلسطين هي من أعرق الدول لا العربية فحسب ، بل في العالم ، وما كان في التاريخ دولة سيعود إلى ما كان عليه إذا ما تمسك شعب فلسطين بحقهم في العودة وفي الدولة .
قد لا تكون فلسطين في الإجراءات الشكلية كما يقول أوكامبو دولة ، غير أن جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية ليس لها علاقة بالإجراءات الشكلية الإدارية ، فالإنسان هو الإنسان ، سواء أكان داخل دولة قائمة ، أو داخل دولة محتلة ، والحقوق الإنسانية فوق قواعد القانون الإجرائية لأن القوانين وضعت في الأصل لحماية المستضعفين من البشر من عدوان الأقوياء المعتدين.
إن قرار محكمة الجنايات خاطئ في مضمونه ، ومنافٍ لروح القانون الدولي ، وهو في الوقت نفسه يعطي (إسرائيل) فرصة جديدة للإفلات من العقاب ، وفي الوقت نفسه يغريها على تكرير جرائمها العدوانية بحق الشعب الفلسطيني في غزة وغيرها من المناطق .
لقد أجهضت (إسرائيل) بالتعاون مع حلفائها في واشنطن وفي الاتحاد الأوروبي تقرير غولدستون الذي فصل جرائم (إسرائيل) ضد غزة ، واستحال التقرير بحكم القوة، والتوجهات العنصرية إلى (تقرير رف) كغيره من تقارير الأمم المتحدة في الشأن الفلسطيني . وكما تحول تقرير غولدستون إلى (تقرير رف) ، تحول تقرير محكمة لاهاي بشأن إدانة جدار الفصل العنصري إلى (تقرير رف) ، وإلى وثيقة ورقية يرجع إليها الأكاديميون في أبحاثهم.
ثمة خلل في المنظمة الدولية تحكيها هذه الأحداث وهذه الوقائع القانونية والقضائية ، الأمر الذي يفضي إلى القول بأن التركيبة الدولية لحقوق الإنسان في العالم مختلفة وغير متوازنة ، وهي تعمل لصالح الرجل القوي ، والرجل الأبيض، ولأصحاب العيون الزرقاء، ولكن خلل التركيبة الدولية لا يعني غياب الخلل في التركيبة الذاتية الفلسطينية والعربية . حين تحكم القوة العالم لا يجوز للضعيف أن يستسلم لقانون القوة ، بل عليه أن يعمل لاستعادة قوته ، لا سيما إن كانت عوامل القوة الذاتية الكامنة في الذات وفي المجتمعات موجودة بقوة ، وتحتاج إلى استنهاض .
إن ما لدى الفلسطيني والعربي والمسلم من عناصر القوة الذاتية لا تتوفر للإسرائيلي وربما لغيره ، ولكن غفلة الفلسطيني والعربي عن ذاته ، واستجداءه للغربي وللشرقي للوقوف إلى جانبه وحمايته أورثه هذه المذلة التي تترجم نفسها في شكل مواقف وقرارات لن يكون آخرها قرار (المحكمة وأكامبو) برفض النظر في جرائم (إسرائيل) التي ارتكبتها في حرب رصاص مصبوب بسبب أن فلسطين ليست دولة ، بل علينا أن ننتظر مزيدا من القرارات الخاطئة حين يعود الفلسطيني والعربي إلى نفسه يستبصرها ، ويستنقذها من الضعف والمذلة ، ستنحني لها محكمة الجنايات وتنظر في شكايتها ولو لم تكن هناك دولة.