سقى الله أيام زمان

نشر 07 ابريل 2012 | 09:18

لا بد أنّ كثيرا من النساء في الثلاثينيات والأربعينيات ما زلن يذكرن ذلك الدفتر الجميل الذي كان له مفتاح صغير لإغلاقه، وكنّا نسمّيه دفتر الذكريات أو المذكرات، ونتسابق إلى ملئه بكتابات الأهل والأصدقاء والمعلمات، وكان به عبارات بريئة نستخدمها كالكليشيهات مثل:

 

أكتب لك بالمقلوب علامة الحب بالقلوب.

أكتب لك بالرصاص علامة الحب والإخلاص.

أكتب لك من القلب إلى القلب عسى سهمي يصيب قلبك.

أكتب لك لأن الذكرى ناقوس يدق في عالم النسيان.

أتمنى لك النجاح بأكل التفاح.

أتمنى لك الفوز بأكل الموز.

الفكرة على بساطتها كانت تعبيرا عن اهتمامات جيل لم يفسده التلفاز ووسائل الاتصال الحديثة وانفتاح الأرض والسموات والعولمة والماركات، جيل كان يقرأ مجلة ماجد ولولو وبطوط وميكي والألغاز، جيل كان الذهاب إلى الدكّانة المجاورة للمنزل أقصى ما تسمح به الأم، أمّا زيارة الصديقات ففي المناسبات السعيدة والإجازات بشرط أن تعرف الأم الصديقة وأهلها وأوضاع البيت، وإذا كان عندهم شباب فالقضية مغلقة والطلب مرفوض والعتب ممنوع ولا مجال للمناقشة والزنّ المتواصل.

 

جيلنا تربّى في مدارس كانت مشاريع لبناء أمة وليست مشاريع ربحية تتلبّس عباءة الدين، وكانت الهيئة الإدارية للمدرسة تقابل أهالي الطلاب قبل الطلاب حتى تتأكد أنّ بيئة المدرسة والبيت متوافقتان وأنّ ما سيبنى في المدرسة سيترسّخ في البيت.

 

أيامها كانت المدرسة تعلّمنا حب الأوطان والتضحية والشهادة والتاريخ الإسلامي ومعاني الإخلاص والعمل والبذل، كان سماع الأغاني كبيرة من الكبائر وكان شعارنا أنّ حب القرآن والأغاني لا يجتمعان في القلب، أمّا ذلك المسمى بسن المراهقة فقرأنا عنه في الكتب فقط كمرحلة عمرية حرجة، المراهقة الوحيدة التي عشناها يصح وصفها بالثورية، حيث كانت قلوبنا معلّقة بفلسطين والأردن أرض الحشد والرباط والشيشان والبوسنة وأفغانستان.

 

كان أبطالنا أناس مثل الشيخ أحمد ياسين والقائد مشهور الجازي والدكتور عبد الله عزام والشهيد مروان عرندس والأسير سلطان العجلوني.

 

كان فنانونا أصوات مغردة مثل أبو الجود وأبو أحمد وأبو راتب والترمذي وفرقتي اليرموك والروابي، كانت مسلسلات الأطفال زمننا عن الصداقة والوفاء والشجاعة والرياضة، لم يكن فيها متحولون ولا مخلوقات غريبة ولا عنف.

 

كنّا نقرأ للرافعي حتى دون أن نفهم كل معانيه، والعقاد والمنفلوطي وسعيد حوى وأحمد أمين، ونحفظ شعر المعلّقات والمتنبي وابن زيدون وأحمد شوقي.

 

عندما دخلنا الجامعة ارتبكنا من الاختلاط الذي لم نتعوّد عليه وكان عندنا أشياء مثل غض البصر وعدم الخضوع في الكلام، وكنّا نغيّر مقاعدنا بعد أخذ الحضور والغياب إذا كان ترتيبنا في قائمة الأسماء بجانب شاب. مصلّى الكلية كان أكثر مكان يحتضننا، أمّا زوج المستقبل فعندما كنّا نجد وقتا لنفكّر به لم يكن الفارس على الحصان الأبيض الذي سيخطفنا في ليلة قمراء، كان شابا نشأ في طاعة الله وقلبه معلّق بالمساجد.

أنظر إلى كل هذه المعاني وأراها اختفت أو تكاد في جيل اليوم، مع أنّه أكثر تقدما وتوفَّر له ما لم يتوفر لآبائه، ولكن كثيرا من أبنائه فقيرون في مجال الروحانيات والقيم!

 

كنت أسمع جدتي تتحسّر على أيام زمان وتقول: "لو عشتوا مئة سنة ما بتحصّلوا يوم من أيامنا"، فأتعجّب وأقول: وماذا كان في أيامهم ليتحسّروا عليه، وكان ينامون من التاسعة كدليل على افتقارهم لوسائل الحياة التكنولوجية!

يعيد الزمان نفسه ونتحسّر على ما كان لدينا من البراءة والنقاء والبركة التي تُرفع من الرأض شيئا شيئا.

نعم يجب أن نربّي أولادنا لزمان غير زماننا كما نصح سيدنا علي، ولكن لا ننسى أنّ في زماننا وأزمنة من سبقونا فضل وخير صالح لكل زمان ومكان.