لا خلاف على أنّ الثورات العربية غيّرت البيئة الإستراتيجية للصراع مع الكيان الصهيوني بشكل جذري، وأسهمت في تغيير قواعد المواجهة معه بشكل يخدم الطرف العربي بشكل واضح، وهذا ما يقرّ به صناع القرار في تل أبيب. لكن هذا لا يعني بحال من الأحوال أنّ مجرد حدوث الثورات العربية سيغير موازين القوى القائم حالياً من تلقاء ذاته، ما لم يكن الأمر مقترن بنهضة كبيرة، فالبيئة الجديدة تساعد الأطراف العربية في حال استغلتها على إحداث التغييرات المطلوبة التي تشكّل متطلباً لتغيير موازين القوى، لكن البعض يظن واهماً أنّ عوائد الثورات العربية، حتى في المدى القريب، ستغطي على سوء خياراته الإستراتيجية، وهذا بالطبع بعكس طبائع الأمور والمنطق السليم.
من هنا، وحتى لا تتم المبالغة في الرهانات غير الواقعية على دور الثورات العربية في مسار الصراع، فإنّه يتوجب الإشارة إلى بعض العوائق التي تقلّص من هامش المناورة أمام الحكومات التي أفرزتها وستفرزها الانتخابات الحرة والنزيهة في عصر ما بعد الثورات:
أولاً: ستضطر الأنظمة الجديدة للتفرغ لمعالجة المشاكل التي خلّفتها عقود من حكم الاستبداد والفساد، لا سيما مشاكل: الفقر والبطالة وانعدام العدالة الاجتماعية وغياب التنمية.
ثانياً: اعتماد الدول العربية، التي شهدت ثورات، على المساعدات والتسهيلات المالية من الغرب أو المؤسسات التي يحتفظ الغرب بتأثير عليها، يجعلها أكثر حذراً في بلورة السياسات تجاه الصراع مع "إسرائيل"، خوفاً من أن تسهم ردة الفعل الغربية في مزيد من التدهور على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وذلك حتى تتمكن حكومات هذه الدول من إرساء سياسات تقلّص الحاجة للمساعدات الغربية.
ثالثاً: في حال انفرد الإسلاميون بتشكيل الحكومات في مرحلة ما بعد الثورات العربية، فإنّ هذه الحكومات ستكون مطالبة، أكثر من غيرها، بتقديم ضمانات مسبقة حول طابع سلوكها وضمن ذلك تعاطيها مع الصراع العربي الإسرائيلي، وستكون هذه الحكومات أمام خيارين، أحلاهما مر: فإمّا تتجاوب مع الإملاءات الغربية فتقع في تناقض مع منطلقاتها الأيدلوجية، وإمّا تظل وفية لهذه المنطلقات، فتخاطر بعقوبات وحصار، على غرار تجربة حكم حماس في قطاع غزة.
رابعاً: ميل موازين القوى العسكرية لصالح "إسرائيل" بشكل واضح في الوقت الحالي يحصر تدخل الدول العربية في الصراع في المجال الدبلوماسي والسياسي، وهذا أمر مهم وحيوي مقارنة مع الماضي، لكن تأثيره على مسار الصراع يظل محدوداً.
الربيع العربي كمحفز للتطرف الإسرائيلي
من ناحية ثانية فقد أسهمت الثورات العربية في دفع "إسرائيل" نحو مزيد من التطرف السياسي والأيدولوجي، فقد رأت "إسرائيل" أنّ الثورات العربية وما نجم عنها من تحولات تحمل في طياتها مخاطر كبيرة على أمنها "القومي"، واعتبرت النخبة اليمينية الحاكمة في "إسرائيل" أنّ التحولات في العالم العربي تدلل على صوابية مواقفها من الصراع ورفضها التقليدي لمبدأ الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، فقد استنتجت هذه النخب أنّ نتائج الانتخابات التي أسفرت عن فوز للإسلاميين في كل من مصر وتونس والمغرب تجعل الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة مخاطرة غير محسوبة، وقد وجدت نخب اليمين في الحالة المصرية مثالاً كلاسيكياً لتبرير رفض أيّ تسوية سياسية تقوم على أساس مبدأ الانسحاب من الأراضي المحتلة، حيث احتجت بالقول أنّ "إسرائيل" توصّلت لاتفاقية كامب ديفيد مع مصر التي بموجبها تم الانسحاب من سيناء، وها هي الثورة المصرية تسقط النظام الذي وقّع على هذه المعاهدة ودفع للواجهة جماعات وأحزاب وحركات ترفض المعاهدة وتعلن عن سعيها لتعديلها. وخلصت هذه النخب للقول أنّ اندلاع الثورات العربية وما آلت إليه من نتائج دلل على ضرورة احتفاظ "إسرائيل" بالأراضي المحتلة وعدم التفريط بها، وتوظيفها كعمق إستراتيجي ل"إسرائيل" يقلّص من قدرة الدول العربية في المستقبل على مباغتتها. وقد شرعت "إسرائيل" في حملة دبلوماسية لإقناع المجتمع الدولي بوجاهة مواقفها الرافضة لأيّ تسوية تقوم على الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، بزعم أنّه في ظل صعود الإسلاميين لا يمكن ل"إسرائيل" المخاطرة بالتخلي عن الأوراق التي تخدم أمنها القومي. ولم تجد "إسرائيل" صعوبة كبيرة في إقناع الإدارة الأمريكية بهذا المنطق، حيث أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما أنّ الثورات العربية تجعل خيار المفاوضات "أكثر صعوبة".
ولقد ارتأت النخب الحاكمة في تل أبيب أنّ الثورات العربية تفرض على "إسرائيل" إعادة بلورة سلم أولوياتها من جديد، بحيث يتم منح أفضلية للسعي لتعزيز القوة العسكرية، وما يتطلبه ذلك من زيادة موازنة الأمن على حساب الموازنات الأخرى، وإعادة بناء الجيش وإعادة الاعتبار لقيادة المنطقة الجنوبية، التي يفترض أن تتحمل عبء أيّ مواجهة عسكرية على الحدود مع مصر مستقبلاً، وتبنّي سياسات تقشفية على الصعيد الاقتصادي تسمح للدولة بالوفاء بهذه المتطلبات.
لكن ماكينزمات العمل التي اتبعتها "إسرائيل" لمواجهة ما وصفته بـ"المخاطر" التي أسفرت عنها الثورات العربية، تشكّل بحد ذاتها عوامل تذكي جذوة الصراع، فقد قررت "إسرائيل" القيام بالخطوات التالية:
أولاً: تكثيف العمل الاستخباري في قلب الدول العربية التي شهدت ثورات، لا سيما مصر، بغرض توظيف المعلومات الاستخبارية التي يتم جمعها في أيّ حرب تنشب في المستقبل وتشارك فيها هذه الدول، مع التشديد على أنّ الثورات تزيد من فرص نشوب مثل هذه الحروب.
ثانياً: لأول مرة، أصدرت هيئة أركان الجيش الإسرائيلي قراراً بتدشين قيادة عسكرية جديدة تعنى بتخطيط وتنفيذ عمليات عسكرية خاصة ومحدودة في قلب الدول العربية، كأحد أهم الاستخلاصات التي انتهت إليها القيادة العسكرية الإسرائيلية لمواجهة تداعيات الثورات العربية. وتستهدف القيادة الجديدة بشكل خاص الدول التي تقع على ممرات مائية تمر بها التجارة الخارجية الإسرائيلية أو قريبة منها، مثل مصر واليمن، أو دول تدّعي "إسرائيل" أنّها مصدر لتهريب السلاح إلى حركة حماس وحزب الله، مثل السودان وليبيا وسوريا. وقد تم بالفعل الشروع في تشكيل القيادة الجديدة، وتم تعيين جنرال ليقف على رأسها.
ثالثاً: ترى كثير من النخب في "إسرائيل" أنّه يتوجّب الإسراع في معالجة الكثير من المخاطر الإستراتيجية قبل أن تلتقط الحكومات العربية التي خلّفت الأنظمة الاستبدادية أنفاسها، وتتفرغ للاهتمام بالصراع الإسرائيلي، فعلى سبيل المثال جاهر عدد من وزراء الحكومة وجنرالات الجيش الإسرائيلي بالدعوة للإسراع في شن حملة عسكرية شاملة على قطاع غزة والقضاء على حكم حماس قبل أن تستقر الأوضاع في مصر، على اعتبار أنّ قدرة "إسرائيل" على ضرب حماس بعد تجاوز مصر المخاض الديمقراطي ستكون محدودة للغاية، في ظل المخاوف من سيطرة الإسلاميين على حكم مصر.
رابعاً: هناك تداخل في توجهات "إسرائيل" لإحباط المشروع النووي الإيراني بالوسائل العسكرية، وبين محاولاتها تقليص التداعيات "السلبية" للثورات العربية، فقد مثّلت الثورات العربية بالنسبة لصناع القرار في تل أبيب مسوغاً إضافياً للإسراع بضرب إيران، على اعتبار أنّ هذه الخطوة ستساعد أيضاً على تحقيق التالي:
1- ردع الدول العربية التي شهدت ثورات على أيّ محاولة للخروج عن قواعد العبة التي حكمت العلاقة مع "إسرائيل" أثناء حكم الأنظمة الشمولية.
2- إيصال رسالة مفادها أنّ "إسرائيل" لا يمكنها أن تحتمل تغيير موازين القوى العسكرية القائمة حالياً في عصر ما بعد الثورات، وأنّ ما ستتعرض له الدول العربية التي قد تفكّر في تطوير سلاح غير تقليدي سيكون مشابهاً لما تعرّضت له إيران.
من هنا، فإنّه على الرغم من أنّ الرهان على الثورات العربية في محله، إلاّ أنّ المبالغة في ذلك قد تفضي إلى استنتاجات خاطئة وإلى خيبات أمل تقود للإحباط والقنوط.