يوميات مواطن قديم: إضراب 6 و 9 من كل شهر

نشر 29 مارس 2012 | 02:21

ملاحظة ينصح عدم القراءة لمن هم دون 28+

قبل البدء فإن مواليد السبعينات وما سبقهما من القرن الماضي هم من سيجد معنى لما يلي من حديث، وسيستمتع به على اعتبار أنه ذكريات من زمن جميل، أما من ولدوا بعد ذلك ربما يندمون لأنهم لم يعيشوا في ذلك العصر..

 

حتى جوجل لن يخبرك شيئاً عن إضراب أيام 6 و 9 من كل شهر، طلاب المدارس في تلك الفترة يحفظونهما وينتظرونهما بشغف، ويبتهلون مع بداية كل شهر ألا يوافق أحدهما أو كلاهما يوم الجمعة، لن تجد بين صفحات محركات البحث عبر الإنترنت شيئاً عن الشوارع التي كانت تغلقها قوات الاحتلال بالكتل الإسمنتية بزعم أنها مصدر خطر على “جيش الدفاع”، لن تعرف سبب استخدام الصغير والكبير كلمة “الجيش“، واحدة من أهم المحاور التي حرص الاحتلال على ترسيخها في ثقافة المجتمع، عبر الإذاعة الوحيدة التي تستهل نشرة أخبارها الساعة 7:30 بـهنا صوت إسرائيل من أورشليم القدس، وشاشة قناة إسرائيل الأولى المعتمدة لدى شريحة عريضة من الشباب.

 

من لم يكن ينتظر الفلم العربي على القناة الأولى بعد عصر الجمعة؟ من لم يتابع حلقات المسلسل الكوميدي “مطعم أبو رامي”؟ من لم يشترك في “اللوتو” أملاً في الفوز بملايين الشواكل في ضربة حظ؟ من لم يتابع مباريات الدرجة القطرية والممتازة ويلعب “واحد إكس اثنين“؟

 

وللتاريخ فقد كانت تنحصر وسائل الإعلام الفلسطينية في المكتوبة منها، لا إذاعات محلية ولا محطات تلفزيونية، فقط بعض الصحف والمجلات، أشهرها صحيفة النهار والفجر والقدس التي كانت تخصص كل يوم سبت زاوية بعنوان ركن الطفل يحررها خليل سموم، أما مجلة البيادر السياسي الشهرية فكانت تمثل الصوت الحر الذي حمل على عاتقه نشر صور شهداء الانتفاضة على الصفحة الأخيرة، وبالألوان في عهد اكتسى بالأسود والأبيض.

جريدة الشارع:

 

تخيل صعوبة المهمة الملقاة على المقاومة، لا إنترنت، ولا فضائيات، ولا وسائل إعلام جديد ولا تقليدي، المقاومة الفلسطينية التي كانت تتشح بالسواد وتلبس القناع الذي يغطي الوجه عدا العينين، استخدمت الجدران جريدة الشارع الفلسطيني اليومية، كانت من خلالها تسن قوانين الجهاد، تُعلن أيام الحداد وتعاقب من يخالف، تحدد أيام الإضراب وتراقب السيارات والمحال التجارية، عناصرها يتحركون بسرعة البرق، وقبل أن يرتد إليك طرفك تفاجأ بهم ينتشرون كالجراد وسط المدينة، وعند أضخم جدار يبدأ أحدهم بالكتابة، تتوقف الحركة وتخمد أصوات السيارات وتتناثر نداءات الباعة وحتى الخطوات يزهد الناس فيها، صمت يخيم على المكان تكاد تسمع صوت “بخاخة” الملثم وهو يخط بياناً أو يعلن مناسبة أو عملية فدائية، يصفها الإعلام الإسرائيلي عملية “انتحارية” قام بها “مخربون”.

حروف وأسماء:

 

كانت أشهر الأسماء التي توقّع على الجدران في تلك الفترة مجموعات الفهد الأسود، وكتائب الشهيد أحمد أبو الريش، والجبهة الشعبية التي كانت توقع بحرفي (ج) و (ش) وفي نهايتهما سهم باتجاه خارطة فلسطين، وجناحها العسكري باسم النسر الأحمر، أما الحروف (ق) (و) (م) فكانت ترمز للقيادة الوطنية الموحدة التابعة لمنظمة التحرير، ثم اختفت “الوطنية” لأسباب لوجستية لتبقى (ق) (م) فقط لتعني قيادة موحدة، و(قسم) القوة الإسلامية المجاهدة التابعة للجهاد الإسلامي في فلسطين، بينما كانت توقع حركة المقاومة الإسلامية، بدون “حماس” في بادئ الأمر، ذلك قبل كتائب الشهيد عز الدين القسام بردح من الزمن، وللأمانة كان يُعرف أفراد حركة المقاومة الإسلامية بجمال خطهم وإتقانهم لفنونه على الجدران، رغم قلة كتاباتهم، أما العبارة الأشهر في تلك الفترة: العهد هو العهد والقسم هو القسم.

لوحة المقاومة:

 

المناشير كانت توزع في المساجد والأسواق وأماكن التجمعات، يتناقلها الناس باحترام وتبجيل، ويلتزمون قراراتها في وجل ورهبة بغض النظر عن الجهة الناشرة، يكفي أنها من صاحبة الكلمة الأولى واليد الطولى والمكانة الأسمى، يكفي أنها من المقاومة، أعلى سلطة في البلاد، وأصحابها ذوو أشرف مكانة بين العباد، لا نسمع خلافاتهم ولا نعرف شيئاً عن تراشق اتهامات بينهم، لم يقحموا العامة في سياستهم، ولم يصدّروا للناس أزماتهم، لا خيانة ولا مفاوضات مع المحتل، لا تنازل ولا تفريض في المقدسات، غايتهم واحدة، وهدفهم محدد، وطريقهم واضح، وإن اختلف لونهم فعلَمهم واحد وعدوهم واحد، فالمشهد لا يحتمل إلا صورة واحدة، رسمها الفنان الفلسطيني فتحي غبن، فيها المقاوم أقصى اليمين يتماهى مع إخوانه المقاومين ومن خلفهم الشعب كل الشعب مؤازرين، والعدو يحتل شطرها الباقي بأسلحته وجيوشه وعتاده المتين..

صورة ترشد التائهين

وتبصر السائلين

بالسبيل لتحرير القدس

وحل قضية فلسطين..