يرتبط اللون الأحمر في ذاكرة العرب بقول الشاعر:
بيض صنائعنا سود وقائعنا خضر مرابعنا حمرٌ مواضينا
وهي متواليات تربط الإنجاز بالقوة وحسن العمل والإنتاجية والمستقبل الأفضل، ومنه أخذت كثير من الدول العربية ألوان أعلامها الوطنية إلاّ أنّ الاقتباس ظل سطحيا لا يجاوز نقل الألوان، أمّا المعاني فلم تأخذ حيّزا في التطبيق، بل لمّا لم يعد الشعب يحمّر عينيه للمسؤولين ولم يعد يحاسبهم ضُربت الإنتاجية والإحسان والقوة في عقر دارنا، وأصبحت مواضينا متفرّغة لتعمل في دمائنا الحمراء!
قد تعطي بعض الدول المتقدمة لنوابها ومسؤوليها الجواز الدبلوماسي الأحمر ولكنها مع هذا العطاء تلزمهم بالخدمة العامة، وفي بريطانيا مثلا، حيث الجواز الأحمر لكل المواطنين من أول عامل النظافة حتى الملكة اليزابيث يقف النائب البريطاني كالمرمطون ليجلده زملاؤه والشعب والإعلام لو زاغ قيد أنملة عن القوانين، وكذلك موظفو الأمم المتحدة يحملون الجوازات طالما كانوا في الوظيفة كإجراء لحمايتهم ولتسهيل أعمالهم ومرورهم في الدول المختلفة، ولكن بمجرد انتهاء عملهم يُسحب منهم الجواز الدبلوماسي فهو وسيلة لهدف وليس امتيازا ولا استحقاقا ولا تكريما.
لم يكفِ أنّ نوابنا استأثروا بالتسهيلات الجمركية ولوحات السيارات والعطايا المادية أنفسهم ومناطقهم، فحرصوا أن لا ينتهي هذا المجلس، الذي سيذكره الشعب الأردني لا محالة بكثير من الأوصاف والأعمال المؤسفة كمجلس 111 ومجلس الفستق والمجلس الذي برّأ الذئب من دم الشعب المهدور في الكازينو والفوسفات وغيرها، وزادو سمعتهم بِلة فأسبغوا على أنفسهم عطية الجواز الأحمر مدى الحياة، وكأنّهم في ماراثون لتحصيل ما يمكن تحصيله قبل اللحظة الحاسمة بالحلّ وحتى لو كان الثمن خراب البلد!
تداول الناس طرفة بها شيء من المبالغة مع شيء من صحة وصف الحرص في الواقع يقارنون فيها بين الجوازات وامتيازاتها بحسب دولها، جاء فيها:
صفحة بالجـواز الأمريكي!
مكتـوب فيها:
حامل هذه الجواز تحت حماية الولايات المتحدة الأمريكية فوق أيّ أرض وتحت أيّ سماء.
وفي الجواز البريطاني!
ستدافع المملكة المتحدة عن حامل هذا الجواز حتى آخر جندي على أراضيها.
وفي الجواز الكندي!
نحرّك أسطولنا من أجلك.
وفي الجواز العربي:
عند فقدان الجواز تدفع غرامة مالية.
فقيمة المواطن لا تأتي من لون جوازه بل من عزة بلده ومنعته واستقلاليته وحقوق المواطنة فيه، ولذلك يسعى العرب لتحصيل الجوازات الأوروبية، فهي بلون وطعم ورائحة.
لقد أرسل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير سفيرا إلى المدينة بثوب مرقع ولم يكن يحمل جوازا إلى البلد وسكانها سوى عظم رسالة الإسلام، فعرفوا له فضله بفضل من أعطاه السفارة وعظيم بلاغه، وكذلك دخل ربعي بن عامر على رستم الفارسي بحمار فبهته بالشجاعة وصدق القول والفخر بالإسلام.
سيبقى اللون الأحمر لعنة تذكّر الشعب أنّ خطأ المرة في انتخاب شخص غير مؤهَّل وغير مسؤول صعب إزالتها كإزالة الدم، بل هي غلطة سندفع ثمنها مدى الحياة.
اللون الأحمر الوحيد الذي يستحقه مجلس النواب هذا بعد أن اعترف مسؤولون سابقون بتزوير الانتخابات التي أفرزته، هو الشمع الأحمر ليقفله، فما بني على باطل التزوير باطل ولو كان مزهوا بألوان الطيف السبعة.
في زمن العزة والحقوق ظنّ الشعب أنّ عمر بن الخطاب قد استأثر لنفسه بثوبين لمّا رأوا ثوبه يغطي رجليه وهم أثوابهم قصيرة، فقالوا له: لا سمع ولا طاعة، حتى عرفوا أنّ ابنه عبد الله قد أعطاه ثوبه، ونوابنا يستأثرون دوننا بما نعلم ولا نعلم دون أن نتحرّك أو نتكلّم أو نتنفّس أو نتنهّد!
فهل أصابنا طرش الآذان وجبن الجِنان وعمى الألوان؟!
أمّا من يتعامل مع جوازات نوابنا الحمراء في الخارج فنقول له:
إذا رأيت ألوان الجواز لامعة فلا تظنن أنّ النائب منتخب!