رأيت غزة «3»

نشر 21 مارس 2012 | 03:03

 

* واختفى المتسولون

حتى في الدول المتقدمة، ومنها بريطانيا التي عشت فيها فترة من الزمن، ترى المتسولين يملؤون الشوارع يستجدون الناس مع أنّ الدولة تكفل لمعظمهم سبل العيش الكريم! ولكن في غزة وبالرغم من الفقر والحاجة التي خلّفتها الحرب لا أحد يموت من الجوع، ولا تكاد ترى في كل أنحاء غزة، شمالا وجنوبا ووسطا، من يريق كرامته من أجل درهم ولو عضّه البرد والألم والفاقة، فمن يرفع رأسه عاليا في وجه الطغيان لن يسمح لجسده وحاجاته أن تنكّس هامته بطلب المساعدة، فيكاد الناظر يحسب جميع الغزيين أغنياء من التعفف.

هم متعففون، ولكن الدور على من يحفظ للكريم روحه ويعطيه دون أن يسأل، فبرفعة المجاهدين تبقى رؤوسنا مرفوعة.

* غالبية لا إجماع

أَكُلّ الناس في غزة بهذا الوصف والتعالي والتجرد؟! بالطبع لا، فحتى مجتمع الصحابة لم يكن خاليا من كل عيب أو نفاق أو تواطؤ، فمن أهل غزة من يجري وراء معاشه وكأنّ ما يحصل لوطنه لا يعنيه في قليل أو كثير، أو كأنه كان يعيش حياة أفضل في ظل الاحتلال!

طبيعي أن لا يحظى حال بشري بإجماع كافة أفراد المجتمع، فالناس مختلفون في دوافعهم ومنهم من يقدّم نفسه ومن وراءه الطوفان، ومنهم من يرى نفسه رخيصة في سبيل مجد وطنه وشعبه، ولكن الحكم على الغالب الأعمّ وهؤلاء في غزة كثر وهم الذين يحفظون لها هويتها عزيزة لا تُكسَر ولا تُذلّ.

* شربت من بحر غزة

جميلة هي غزة برغم الدمار الذي لا ينفك يخلّفه العدوان الهمجي، جميل هو بحرها الذي بلع العدو وبقي حانيا رائقا على أهله يفسح لهم نافذة من الجمال تجلي قلب المهموم وتؤنس المحزون وتلاعب الطفل وتسقي العطاش وتجزل العطاء للصياد وتحفظ أسرار المحبين.

شربت من ماء غزة، لعل القول ينطبق بأنّ من يشرب من بحر بلد يعود إليها بإذن الله، وإنّا لتحقيق هذا الأمر لمنتظرون.

ودّعنا غزة ونحن نردد:

نحب المجاهدين ولسنا منهم

                           لعل أن ننال بهم شفاعة

ونكره من بضاعته القعود

                           وإن كنّا سواء في البضاعة

 

* وختامها سجدة في التحرير

في غزة تتعلّم أنّ العظيم من تاريخنا صنعه المستضعفون في العدد والعدة، بل إنّ الأقوياء وأصحاب البطش ما خلفوا لنا سوى صفحات سوداء لم نقرأ فيها سوى الاستعباد والذلة.

أسلمتنا غزة العزة لجارتها قاهرة المعز وأسلمنا المجاهدون لخير أجناد الأرض وورثة النسب النبوي، فذهبنا لنستعيد لحظة مجد سطّرها المصريون بدمائهم ليثبتوا في كتبنا أنّ النصر العظيم لا يتأتّى إلاّ بتضحيات عظيمة.

ذهبنا إلى التحرير لنستعيد لحظة التحرير يوم سجدت ورقصت قلوبنا على البعد أن عادت مصر لأمتها حرة كريمة، ولله دره طعم النصر لا تنفذ حلاوته مهما مر عليه الوقت، بل تتذوقه حلوا معسولا كلما عادت ذكرياته،

وبالرغم من كل من يثبطون ويشككون فإنّ من صنعوا الثوة العظيمة قادرون بإذن الله أن يصنعوا نهضة بلادهم ويوصلوها إلى بر الأمان والازدهار.

في رحلة العودة قرأت في الشارع عبارة تنبئ حقا عن مصر وأهلها وتاريخها جاء فيها "ليس في مصر شيء جديد فالمصريون صنعوا التاريخ كالعادة".

 

* عودة إلى أرض الرباط

عودة إلى أكناف بيت المقدس، إلى الأردن الذي تعلّمنا على أرضه أن نكون فلسطينيين، وأنّ فلسطين عندنا قضية وجود ووقف لا يمكن التنازل عنها، إلى أرض الحشد والرباط بانتظار وعد التحرير، إلى حيث الأخوة الحقة والدماء المؤتلفة والأهل والنسب والدم الواحد.

وما بين سماء غزة وسماء عمان تمثّلت قول الشاعر:

بغزة يوم حط بها الركاب

                     تمطر عارض ودجا سحاب

وقفت موزع النظرات فيها

                     لطرفي في مغانيها انسياب

فلئن حم الوداع فضقت ذرعا

                      به واشتف مهجتي الذهاب

فمن أهلي إلى أهلي رجوع

                      وعن وطني إلى وطني إياب

 

* وختام كالبداية

لا أحد يموت "ناقص عمر"، ولكن من لم يزر غزة، بوابة فلسطين الجنوبية، ولم يعايش أهلها فقد مرّت حياته دون إدراك معنى العظمة الحقيقية.

اللهم إنّا نستودعك غزة أرضها وأهلها، ماءها وسماءها، برها وبحرها يا من لا تضيع عنده الودائع ولا يرد جاره ولا يذل.