«لن تدوم إسرائيل بصورتها الحالية إلى الأبد، لن تدوم إلى الأبد وستفقد مناصريها وستحصد ما زرعته يوما ما، وستملّ أمريكا من إعطائها 70 بليون دولار سنويا، يوما ما سيقول الشعب الأمريكي لللوبي الصهيوني لقد بلغ صبرنا مداه».
«لو عشت نفس الظروف التي يعيشها الفلسطينيون فلربما أُصبِح استشهادية أيضا».
«الوضع في غزة لم يرَ له العالم مثيلا سوى نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا».
ربما يذهل القارئ عندما يعرف أنّ صاحبة الاقتباسات السابقة ليست سوى البارونة جيني تونج عضو مجلس اللوردات البريطاني وعضو البرلمان سابقا، فهي أكثر عروبة من العرب وأكثر التزاما بقضاياهم المصيرية وأرجل وأكثر شجاعة من كثير من زعاماتهم، لا تخاف عند مبادئها لومة لائم، وقد نالها منه الكثير وشُنّت عليها حرب ضروس من الصهاينة أدّت إلى إقالتها من بعض مناصبها السياسية في الوقت الذي تبرّأ حزب الأحرار الديمقراطيين، الذي تنتمي إليه من مواقفها وتصريحاتها، بل وصرّح زعيم حزب العمال اد ميليباند، تعليقا على أقوالها الأخيرة بأنّ من يعادي «إسرائيل» ليس له مكان في السياسة البريطانية! هذا غير ما نالته من تشويه مقصود وممنهج لصورتها باتهامها بمعاداة السامية، وهي تهمة في أوروبا أقبح من الكفر!
غير أنّ الحرب المضادة حتى من زملائها في الحزب لم تثنيها عن رسالة آمنت بها في الدفاع عن حقوق الإنسان وقضاياه وعن حق شعب احتلت أرضه وتكالب العالم عليه وفرّط كثير من أبنائه بحقوقه ومقدساته، بل ولما كان الحصار على غزة في أشدّه ركبت البحر مع زملاء من البرلمان الأوروبي مخاطرة بنفسها لتكسر القبضة والقيود الإسرائيلية.
غريب هو التجرد والولاء الذي يحمله بعض ساسة الغرب تجاه القضايا العربية، وبالذات قضية فلسطين، بالرغم أنّ هذه المناصرة لا تكسبهم شعبية ولا قبولا في أوساطهم، بينما يتسابق ساسة العرب إلى التفريط في العلن والسر! وهذا يثبت أنّ الغرب، على سوآته ليس موقفا واحدا ولا جبهة واحدة تجاه القضايا العربية، بل فيه الكثيرون ممن يمكن التحالف والتعاون معهم.
هذه السياسية البريطانية كما لم تبع ضميرها في السياسة الخارجية لم تبع ذمتها داخل بلادها وعملت لخدمة بريطانيا ومواطنيها كنائب منذ عام 1997-2005 في مجالات الصحة والأطفال والتطوير الدولي واضطرت إلى التنحي بعد موت ابنتها في حادث، لرعاية أحفادها.
تواجه البارونة تونج هذه الحملة المسعورة لدفاعها عن فلسطين، بينما لم يواجه المرشح الرئاسي الأميركي نيوت غنغريتش أيّ لوم عندما صرّح في خطابه أنّ الفلسطينيين شعب مخترع! الفرق ببساطة أنّ الإسرائيليين لا يسمحون لأحد، كائنا من كان، أن يطأ طرفهم بينما من يلي أمور الفلسطينيين، بحساب التقسيمات السياسية، لم يجعلوا لهم وزنا وجعلوهم أهون على العالم من توقيع آثم على اتفاقيات تفريط آثمة!
يصاب المرء باكتئاب مضاعف عندما يقارن البارونة تونج بالساسة في بلادنا من أول نواب 111، ونواب الفستق، ونواب الملوخية والجسر، ونواب الفوتيك، ونواب الأكفان البيضاء والدماء الحمراء، ونواب التفاوض، ونواب الخلويات، ونواب الفضائح الجنسية، ونواب الأبراج الخليجية، ونواب التسهيلات والذمم المشرية، ويتساءل: لماذا لا يلي أمورنا إلاّ من هم على مثل هذه الشاكلة؟! فيأتي الجواب: أنّ مثلما تكونوا يولّى عليكم، ولو كنّا أفضل لولي أمورنا الأفاضل!