بشكل يخالف ما درجت عليه الجماعة قبل وبعيد الانتخابات، صدرت عن بعض المتحدثين باسم "الأخوان المسلمين" مؤخراً في مصر تصريحات تفيد أنّهم متحمسون للانفراد بتشكيل الحكومة المصرية القادمة. وبغض النظر إن كانت هذه التصريحات تعكس توجهاً عاماً للجماعة، أو كانت مجرد اجتهادات شخصية لمتحدثيها، فإنّها تشي بتسرُّع في التقدير.
من حيث المبدأ، لا أحد يجادل في حق الجماعة في تشكيل الحكومة القادمة لكونها حققت الأغلبية النسبية في الانتخابات التشريعية، لكن القاعدة الذهبية تقول: "لا يكفي أن تكون محقاً، بل يجب أن تكون حكيماً". وعليه، فإنّ السؤال الذي يطرح: هل من الحكمة أن ينفرد "الإخوان" بتشكيل الحكومة القادمة في مصر؟ وهل هذا سيكون في مصلحة مصر والجماعة، أم أنّه وصفة محكمة للانتحار؟
إنّ مصر بعد أكثر من ستة عقود من حكم الاستبداد والفساد تغرق في مشاكل هائلة، من تدهور للأوضاع الاقتصادية، وفقر وبطالة وغياب للعدالة الاجتماعية والتنمية، ولقد ثار المصريون على حكم الطاغية على أمل أن تتمكن النخبة السياسية التي ستتولى زمام الأمور بعد الثورة من معالجة هذه المعضلات الجسام، ولكن من الواضح أنّه لا يمكن معالجة هذه القضايا بمعزل عن تأثير البيئة الإقليمية والدولية لمصر، فحكومات مصر القادمة في حاجة لأقل قدر من الصدام مع العالم الخارجي حتى تتفرغ لحل الأزمات الداخلية، على اعتبار أنّ مصر ستظل بحاجة لتعاون الإقليم والعالم للخروج من أزماتها الاقتصادية، لمرحلة محددة، لكي تسود البيئة التي تسمح بتوفير حلول جذرية للمشاكل الاقتصادية. إنّ قدرة أيّ حكومة مصرية على العمل لحل المشاكل الداخلية يتوقف على قدرتها على تطوير علاقات مصر مع الإقليم والعالم، دون أن تكون مضطرة لمواجهة الحملات الهادفة لنزع الشرعية عنها. ومن الواضح أنّ حكومة ينفرد الإسلاميون بتشكيلها في مصر ستواجه حملات شرسة لنزع الشرعية عنها من أطراف إقليمية ودولية تهدف إلى تقييد قدرتها على حل مشاكل الداخل، بغرض التدليل للرأي العام المصري أنّ حكم الإسلاميين لن يؤدي إلاّ لمضاعفة المشاكل والتحديات. إنّ هناك مصلحة مشتركة بين "إسرائيل" وبعض الدول العربية والقوى الدولية التي كانت مرتبطة بتحالف قوي بنظام مبارك، ألاّ تنجح تجربة الإسلاميين في الحكم، وبقدرة هذه الأطراف أن تدفع بمزيد من التحديات أمام حكم الإسلاميين للتدليل على إفشاله. إنّ الأطراف الخارجية التي تخطط لإحباط الحكومات المصرية القادمة لن تعدم الوسيلة لتحقيق هذا الهدف من خلال توظيف الاستثمارات الخارجية في مصر واللعب بورقة العمالة المصرية الوافدة في عدد من الدول العربية، وفرض مقاطعة اقتصادية، وغيرها من الوسائل، في حين تنفرد "إسرائيل" بإمكانية إحراج حكومة الإسلاميين عبر القيام بحملات عسكرية ضد هذا الطرف العربي أو ذاك، حيث ستكون هذه الحكومة أمام خيارين أحلاهما مرّ، فإمّا أن تتورط في ردود على السلوك الإسرائيلي، تشكّل بحد ذاتها مثبطاً إضافياً لقدرة هذه الحكومة على حل المشاكل الداخلية، وإمّا أن تصمت فيمس هذا بصدقية خطاب الإسلاميين أمام الرأي العام المصري.
يجب ألاّ يسهم الإرث الأيدلوجي لمركبات الحكومة القادمة في مصر في تقليص هامش المناورة المتاح لها على الصعيد الخارجي، فيصبح وجود هذه الحكومة بحد ذاته مشكلة تنضم إلى قائمة المشاكل الطويلة، بحيث يأخذ الناس بالترحم على عهد مبارك. على الرغم من الفروق الموضوعية بين حالتي قطاع غزة ومصر، فإنّه يتوجب التذكير بأنّه عندما تواطأ الإقليم والعالم على محاصر القطاع، لم تول الأطراف المتآمرة أهمية تذكر لحقيقة أنّ حركة حماس قد حققت الأغلبية المطلقة في الانتخابات التشريعية التي جرت عام 2006، ولم تجد هذه الأطراف أنّها ملزَمة باحترام إرادة الشعب الفلسطيني الحرة. لقد نجحت هذه الأطراف من خلال توظيف الحصار الاقتصادي والمقاطعة في تيئيس الكثير من الفلسطينيين من الرهان على حكم الإسلاميين، وهذا ما يتوجب على "الإخوان" في مصر استيعابه، والتحوُّط له، وعدم المساعدة في حدوثه.
وبالنسبة ل"إسرائيل" تحديداً، من الواضح أنّها لا ترتاح إطلاقاً للحركات الإسلامية وشعاراتها، لكنها في نفس الوقت تفضّل حكم هذه الحركات على اعتبار أنّه في مواجهة هذه الحركات من السهل بناء تحالفات عريضة تقاومها وتحاربها، وتقلّص من قدرتها على العمل. وهنا يتوجّب الإشارة إلى ما نقلته وثائق "ويكليكس" عن رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلي السابق عاموس يادلين، الذي أبلغ نواب أمريكيين أنّ "إسرائيل"، بعكس ما تطرحه إعلامياً، مرتاحة لانفراد بحكم حماس في غزة لأن هذا يسهّل مهمة إقناع العالم بمحاصرتها، ويوفّر ل"إسرائيل" بيئة مثالية لمهاجمة الحركة في ظل أقل قدر من الاعتراض الدولي.
من ناحية ثانية، يخطئ بعض متحدثي "الإخوان" عندما يعتبرون أنّ نجاح نموذج حكم "حزب العدالة والتنمية" في تركيا يدلل على إمكانية نجاح حكم البديل الإسلامي الصرف في مصر، فأولاً حزب العدالة والتنمية يقدّم نفسه على أنّه حزب علماني قومي، وليس حزباً إسلامياً، ولا حاجة هنا للتذكير أنّ أردوغان أثار غضب بعض قادة "الأخوان" عندما دعاهم في زيارته الأخيرة لمصر لتبنّي النموذج العلماني. وثانياً، وهو الأهم، أنّ أوضاع تركيا الاقتصادية، وبخلاف مصر، تقلّص تأثير الأطراف الخارجية على قرارها السياسي، فالاقتصاد التركي حقق معدلات نمو كبيرة تبلغ 8.8 في المئة، في حين يبلغ الناتج الإجمالي المحلي 736 مليار دولار، ويبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي 10179 دولار، في حين يصنَّف الاقتصاد المصري على أنّه أحد الاقتصاديات المنخفضة التنافسية في العالم، فحسب تقرير التنافسية العالمي جاء الاقتصاد المصري في المركز رقم 70 من بين 133 دولة شملها تقرير 2009- 2010.
إنّ الحل الأفضل يتمثّل في تشكيل حكومة وحدة وطنية برئاسة شخصية مصرية وطنية، ليست من "الإخوان"، لتولي مهمة إصلاح ما أفسده الاستبداد والفساد على مدى أكثر من ستين عاماً، في ظل أقل قدر من الممانعة الإقليمية والدولية، وذلك لإيجاد بيئة ملائمة يذوق المواطن المصري في ظلها ثمار التحول الديمقراطي الحقيقي، وفي الوقت نفسه يتم التأسيس لواقع يسمح بانطلاق مشروع نهضوي شامل يهدف إلى تقليص ارتباط اقتصاد مصر بمواقف الآخرين السياسية من حكومتها، ويجبّ الهوة في ميزان القوى بينها وبين "إسرائيل".