سياقات مضيئة ومعتمة

نشر 25 فبراير 2012 | 02:53

أزمة الكهرباء في غزة أزمة طاحنة . إنها أزمة تطحن الصبر والمنطق معاً ، لأنها أزمة تعصر الناس عصراً ، ولا تترك منه بيت مدر أو وبر، لذا تجد السؤال الحارق يقول أفي عهد الثورة يحصل هذا؟! أفي عهد الإخوان المسلمين يحصل هذا ؟! هذا غير متوقع ، ماذا تقول حماس وإخوانها في مصر هم الأغلبية وهم في رئاسة مجلس الشعب؟!

سؤال الكهرباء كسؤال الحكومة برئاسة محمود عباس وضعا الجولة الثانية من زيارة رئيس الوزراء إلى دول الخليج العربي وإيران في الزاوية المعتمة. منذ أن وطئ رئيس الوزراء المعبر لاحقه سؤال الكهرباء وسؤال الوقود ، وسؤال عباس ، لماذا؟! وماذا بعد؟! وإلى متى؟! وكيف ؟! وهل يعقل؟! ماذا قال العالم لكم؟! ماذا قالت مصر ؟! ..إلخ .

أمر رئيس الوزراء وزارة المالية بصرف الرواتب المتأخرة فوراً ، ورصد لوزارة الصحة (2 مليون دولار) ولشارع صلاح الدين (نصف مليون دولار)، وأعلن عن زيارة لمصر لبحث الكهرباء، وفي ذلك إشارة لنجاح حكومته ، ومع ذلك ظلت زيارة الخليج في الزاوية المعتمة رغم أهميتها وخطورتها ، وظلت أزمة الكهرباء والحكومة في الضوء تعصر البيوت عصراً ، وتنشر الإشاعات نشراً، وكأن الآمال قد زلزل زلزالها ، فأخرجت النفوس أضغانها، وكأن غزة العزيزة لم تحاصر إلا في عهد سعد الكتاتني ، وإلا في عهد ثورة التحرير ، وكأن حكومة هنية لم تحفظ للتحرير مكانته ومنزلته ، حتى طفح الكيل عند الجبهة الديمقراطية في احتفالها رقم (42) ، فلم تر حكومة هنية ورأت عباس (القديم الجديد) قادماً فقالت في كلمتها الرئيسة (إن حماس وحكومتها في غزة لم تنهض بمسؤوليتها مما دفع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في غزة نحو مزيد من التردي والتدهور)؟!!

نسيت الديمقراطية الاحتلال والحصار والعدوان ، ونسيت كل ما قامت به حكومة هنية وحماس ، وحكمت بالتردي على الأوضاع حكماً عاماً ومسبقاً بدون تحفظ أو استثناء أو موضوعية نقدية ، وقدمت حماس كأنها السبب ، ولو نظرت في الأفق الواسع لوجدت أسباباً كثيرة ، ولكن أزمة الكهرباء أغلقت الآفاق أمام الديمقراطية وأمام الناس ، ولم تصبر البيوتات على الزلزلة الكهربائية ، وتخيلت عباس يقود الحكومة الجديدة ؟!!

أزمة الكهرباء حقيقية مؤلمة ، وأزمة الوقود كانت صاعق أزمة الكهرباء ، وحكم عباس جاء من خارج التفكير والمتوقع ، فتزلزلت النفوس المتعجلة ، وفقدت القدرة على الصبر ، رغم بريق الأمل الكامن في معادلة (اشتدي يا أزمة تنفرجي).

أزمة الوقود في طريقها إلى الحل ، وأزمة الكهرباء أحاطت باللقاءات السياسية من كل جانب ، واستنهضت الأطراف المشاركة لتقديم حلول جذرية ، والأمور تسير نحو الأحسن والأفضل وحكومة هنية تعمل بجد ، وتنحت في الصخر ، ولن تقف متفرجة على الأزمات ، بل هي تديرها وتحلها رغم ما تعاني وما تكابد من مشاق ، وضيق يد ، وسطوة الإشاعات .

إن ما يضرب غزة من رياح وأعاصير وإشاعات يقف خلفها من يكرهون التحرير والمقاومة هو ضرب من التمحيص والاختبار ليشد الله به ظهور الصابرين المرابطين ، ولن تكون الكهرباء آخر الأزمات ، ولا آخر الإشاعات ، فالمعركة ممتدة حتى يكون النصر على النفس وعلى العدو معاً ، وهذا قادم لا محالة .