لقد وضّح المؤرخ البريطاني وروك أنّ التاريخ ليس سجلا مقدسا منزها عن الشبهات بل هو كثيرا ما يخلط مع الحقائق أنصافها وأشباهها التي قد تصل إلى درجة التلفيق والافتراء، فالمصادر التاريخية التي يُعتمد عليها في البحث والتحقيق قد تكون منقوصة أو مفقودة بحيث لا تعطي صورة متكاملة عن الحدث أو الشخصية التاريخية، كما قد تُختلط الحقائق برأي المؤلف والمؤرخ والمدرسة الثقافية والأيدلوجية التي يتبع لها، وبناء على ذلك فقد وضع وروك قاعدة 80 20 والتي أوصى من خلالها بدراسة 80 في المئة من أحداث التاريخ على أنّها حقائق، و20 في المئة كمعلومات قابلة للنقض وإعادة البحث.
والتاريخ هو الوعاء الحضاري الذي يخبر عن الشعوب والأمم، واستقراؤه خطوة أساسية لاستشراف المستقبل والتعامل مع الواقع، فما من حدث حالي إلاّ وله جذور ممتدة في زمن سابق، وإغفال دراسة المقدمات يؤدي على الأغلب إلى سوء تقدير في النتائج، ويجب التفريق بين الماضي pastوالتاريخ history، فالماضي هو كل ما وقع من أحداث سابقة في حياة البشر، كبيرها وصغيرها، معلومها ومجهولها، أما التاريخ فهي الأحداث التي يختار المؤرخون توثيقها دون غيرها وتسليط الضوء عليها، وهذه الاختيارات للأحداث والشخصيات قد لا تكون دائما متجردة أو بريئة!
وقد يخضع التاريخ للمبالغات كذلك ما بين الإفراط في المدح والتمجيد أو الذم و القدح، وبخاصة عندما يُكتب بأقلام أعداء الأمة أو من غير أبنائها، وقد تزداد مساحة الخلط والتشويه المقصود، ويعاني التاريخ العربي والإسلامي أكثر من غيره من دخول أقلام مشبوهة من بعض المستشرقين كانت تدخل الزيف عن قصد إلى تاريخنا، ولعل أشهر ما نذكره من روايات متضاربة ما يتعلق مثلا بسيرة الخليفة هارون الرشيد، الذي صوّر كثير من المستشرقين حياته ما بين كأس وغانية في مجالس اللهو، وربما جاء دفاع المؤرخين العرب حادا كذلك فجاءت روايتهم أنّ هارون الرشيد كان يحج عاما ويغزو عاما، والحقيقة قد تكون وسطا بين الروايتين، فلقد عُرف عن بعض الخلفاء العباسيين توسُّعهم وإسرافهم ولكن عصور بعضهم، وبالذات عصر الرشيد الذي يعتبر أحد العصور الذهبية، قد شهد كذلك توسّعا في الفتوحات والبحث العملي والترجمة والتأليف والبناء والإعمار، ولذلك ربما زادت وتيرة تقصده من قبل المؤرخين أصحاب الأقلام والذمم العلمية المأجورة!
وبما أنّ الجيل الجديد في أغلبه لم يعد جيل قراءة وبحث وتدقيق فإنّ كثيرا من المعلومات التاريخية تصله عن طريق وسائل الإعلام الحديثة وأهمها التلفاز، وقد لا ينتبه المشاهدون أنّ كثيرا من الأحداث التاريخية في المسلسلات التاريخية تحديدا تخضع للمعالجة الدرامية بالإضافة والتغيير والحذف وإدخال عناصر التشويق وإغفال المهم والتركيز على الأقل أهمية، وذلك من أجل زيادة نسب المشاهدة بأيّ ثمن كان، وهذا الحال ينطبق على المسلسل التركي المدبلج (حريم السلطان) والذي يتناول سيرة السلطان سليمان، عاشر السلاطين العثمانيين والذي عرفه الغرب بالسلطان العظيم، وسُمي عصره بالذهبي، وجاء تعريفه في الموسوعة الالكترونية ويكيبيديا «حاكم بيت عثمان، سلطان السلاطين، خان الخانات، أمير المؤمنين وخليفة رسول الله في الأرض
حامي المدن المقدسة الثلاث مكة والمدينة والقدس»، أما عن امتداد دولته شرقا وغربا فشملت: المدن الثلاث القسطنطينية وأندرينوبول وبورصة ودمشق والقاهرة وأرمينيا كلها والمغريس وبركة والقيروان وحلب وعراق العرب والعجم والبصرة والأحساء وديلان والرقةوالموصل وبارثية وديار بكر وقيليقية وولاية إرزوروم وسيفاس وأضنة وكارامان وفان وأرض البربر والحبشة وتونس وطرابلس ودمشق وقبرص ورودوس وكنـْدية وولاية موريا وبحر مرمرة والبحر الأسود وشواطئه وأناطوايا وروميليا وبغداد وكردستان واليونان وتركستان وتاتاريا وسيركاسيا ومنطقتي كاباردا وجورجيا وسهل كبشاك وكل بلاد التتر وكيفة والبلاد المجاورة لها والبوسنة وتوابعها ومدينة وقلعة بلغراد وولاية صربيا وقلاعها ومدنها وحصونها وكل ألبانيا وإفلاق وبلاد بغدان كما توابعها وحدودها، مدن وأقاليم لا نتخيّل الآن أنّها كانت في يوم من الأيام تتبع للمسلمين، وكان لقبه القانوني وهذا يشير إلى واحدة من أعظم إنجازاته في صياغة القانون العثماني الذي نظّم شؤون الدولة داخليا وخارجيا وحياة المواطنين. ويذكر الأستاذ زياد أبو غنيمة في كتابه (جوانب مضيئة في تاريخ العثمانيين الأتراك) أنّ الشعب تعلّق بالسلطان الذي وحّدهم وجعل بلادهم سوقا واحدة وحماهم من العدو الإفرنجي، ورفع راية الإسلام وطبّق أحكام الشريعة، ويذكر مثلا أنّ القانون الذي وضعه السلطان ينص على أن يكون من يتولّى منصب الصدارة العظمى (رئيس الوزراء) مواظبا على أداء الصلاة في أوقاتها.
هذه الشخصية وهذه المنجزات تُقزَّم ويقلّ ذكرها وتحشر في زاوية هامشية بين جنبات المسلسل الذي لا يجد في السيرة العظيمة ما يستحق الإحياء سوى حريم السلطان اللواتي تمكّنّ من استخفاف رجل كانت تخشاه ملوك أوروبا واللعب به كدمية وهو يمضي وقته في التنقل بين حرمة وأخرى!
والسؤال البسيط هنا: إذا كان هذا السلطان الدنجوان يمضي وقته في الحرملك بين الخليلات، فكيف تحققت كل هذه الإنجازات في عهده، وأين وجد الوقت ليقود الجيوش ويكتب القانون والشعر ويتعلم اللغات؟!
وحتى زوجته روكسيلانا التي تظهر في المسلسل كالشيطانة التي لا تعرف سوى المكائد، تقول المصادر التاريخية عنها أنّها كانت تحب عمل الخير وأوقفت في القدس، وأكملت مشروع عيون زبيدة الذي بدأته زوجة الرشيد لتوفير المياه للحجاج وصولا إلى مكة المكرمة، فأين الحقيقة من الخيال في هذا المسلسل ولمصلحة من يتم إغفال الجوانب المضيئة؟!
وبينما يغرق العرب في متابعة الحبكة يأتي الرد الأول من الجمهور التركي الأدرى بتاريخه، ففي سابقة لم تشهدها الساحة الإعلامية التركية وصلت لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التركية 70 ألف شكوى على المسلسل، واحتج بعض الأتراك أمام مبنى القناة المنتجة على التلفيق والإهانة التي وجهها المسلسل لفترة عظيمة وأثيرة من تاريخهم.
في ذات الوقت الذي خرج فيه هذا المسلسل إلى العلن خرج أيضا فيلم أجنبي يتناول سيرة أول امرأة تتولّى منصب رئاسة الوزراء في أوروبا، بريطانيا تحديدا، هي مارجريت تاتشر والتي عرفت بلقب المرأة الحديدة The Iron Ladyويحمل الفيلم ذات الاسم، وهذه المرأة ذات السيرة الجدلية والتي تعاني الآن من الخرف وضعف الذاكرة dementia، يقدّمها الفيلم بصورة إنسانية تستجلب الاحترام بالرغم من كل أخطائها، فالفيلم يظهرها كامرأة مكافحة قوية أرادت أن تصنع من نفسها ولشعبها وبلدها مكانة، وأنّها تفوّقت على الرجال وفعلت ما لم يستطيعوا فعله. وتنقل الممثلة على لسانها في أحد المشاهد قولها «حياة الفرد يجب أن يكون لها معنى، لا يمكن أن أموت وأنا أمام المجلى أغسل كوب شاي».
والمُشاهد يخرج بانطباع إيجابي عموما قد يصل إلى درجة التعاطف مع هذه المرأة التي كانت في العلياء تدير دولة عظمى ثم سقطت فريسة الفقد والمرض، وبالرغم من أنّ كثيرا من الشعب البريطاني كان يكرهها وطالب بإسقاطها غير مرة بسبب سياساتها على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، إلاّ أنّ الفيلم يقدّمها كشخصية لها ما لها وعليها ما عليها وحياتها تستحق التقدير سواء أختلفنا أو اتفقنا معها!
لماذا تختلف المعالجة الدرامية للتاريخ بين الشرق والغرب؟ لماذا يبدو الغربيون، وهم الذين ينادون بالموضوعية والإنصاف، أكثر تسامحا مع تاريخهم وشخوصهم، بينما يبدو بعض كتابنا كالذباب لا يقعون إلاّ على كل مستقذر؟! لمصلحة من تضخّم هذه الجوانب لأجيال لا تعرف عن أجدادها سوى ما تراه وتسمعه من وسائل الإعلام؟!
وبعد هذا وذاك ألا يجب أن نتبصّر فيما نشاهده ونقرؤه ونعرف أنّ أبطال التاريخ بشر يخطئون ويصيبون، يخلطون عملا صالحا وآخر سيئا، وأنّ دولة حكمت العالم ستة قرون لا بد أنّ الله أيّدها في وقت ما لما استقام سلاطينها على أمره، فلما زاغوا وكِيد لهم جرى عليهم ما جرى على الأمم من قبلهم؟
التاريخ ليس مقدّسا، فلنبحث ما بين السطور عن الحق بغير إفراط ولا تفريط.