ليس الاحتلال الصهيوني بحاجة الى ذريعة لاستمرار مكائده و لا ينتظر فرصة و لا يعمل خلسة في غيبة من اهتمام العرب أو انشغالهم فهو يعلم بالتجربة ان غضبة العرب، ان حصلت، لإخوانهم و مقدساتهم موسمية وقتية محدودة الأثر و هو يقابل ردود الفعل المتواضعة بخطط طويلة الأمد تُنفذ على مراحل دون مبالاة بقوانين دولية أو انسانية!!
تقرير حال القدس 4 الذي يغطي أواخر العام الماضي، الذي انشغل العرب فيه بربيعهم سواء بالفعل و التغيير في الدول التي طالها التغيير أو بالفرجة و المساندة و الانتظار في الدول التي لم تصلها الثورات، يبين قيام العدو الصهيوني بحملات تهويد واسعة النطاق، فعلى الجانب الاستيطاني يظهر التقرير أن الاحتلال أقر بناء ما يزيد على 300 وحدة استيطانية و كشف التقرير عن مخطط لبلدية الاحتلال في القدس لبناء ما يزيد على 60 ألف وحدة سكنية خلال العشرين عاما المقبلة،88% في شرقي القدس، و الغريب أن هذه المشاريع و هذا البناء مستمر برغم المطالبة باستمرار المفاوضات و تجاوز ملف الاستيطان مع ليونة و استعداد المفاوض الفلسطيني للقبول بذلك!!!
و في الوقت الذي نجحت فيه الهبة الشعبية في كل من الأردن و مصر و مناشدة الهيئات الدينية و تحرك الحكومة الأردنية بوصفها المشرفة على المسجد الأقصى و أوقافه في تأجيل هدم تلة الغاربة و جسرها المؤدي الى قلب المسجد الأقصى الا أن اسرائيل استصدرت قرارا قضائيا يمكنها من ذلك و قد تعمد الى تنفيذه في أي وقت
أما على صعيد مشروع تهويد القدس والأحياء المحيطة بالمسجد الأقصى فقد قررت الحكومة بناء مجمع سياحي في سلوان جنوب المسجد الأقصى و أعلنت عن خطتها في توسيع مستوطنة غيلو جنوب القدس ببناء 500 وحدة سكنية جديدة و هذا يأتي ضمن الرؤية الصهيونية للقدس كعاصمة وحيدة و موحدة لدولتهم يلخصها حديث نتنياهو أمام الكنيست " نحن نبني في القدس لأنه من حقنا والتزامنا، وليس عقابًا، بل كحق أساسي لشعبنا في البناء في عاصمته الأبدية"
أما على الصعيد الإنساني فقد زاد الاستهداف المتواصل للفلسطينيين و برزت محاولات بعض النواب الاسرائيليين استصدار قانون يمنع رفع صوت الآذان في الأماكن و الأحياء المختلطة التي يسكنها مسلمون و يهود و بالذات البلدة القديمة في القدس، و برر ممثلو دولة الاحتلال موقفهم بالحرص على راحة مواطنيهم و عدم إزعاجهم و إخافتهم و التماهي مع الموقف الأوروبي السابق الى هكذا خطوات! و كذلك سجلت الفترة التي يغطيها التقرير وتيرة متزايدة في الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون في إطار العمليات الانتقامية التي تعرف بحملات "جباية الثمن" أو "فاتورة الحساب". إذ تعرّض المقدسيّون لأكثر من 4 حوادث مسجّلة من اعتداءات مجموعات المستوطنين تحت مسمى هذه الحملة الانتقاميّة كان أبرزها إشعال مجموعة من المستوطنين النار في مسجد عكاشة ما أدى إلى احتراق الجدران الخارجية للمسجد التي ترك عليها المعتدون شعارات معادية للعرب والمسلمين ومسيئة للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم). وغالبًا ما يبقى الفاعلون مجهولون و إذا قبض عليهم شكليا لا ينالون العقاب
و على المستوى الاقتصادي يظهر التقرير وصول معدلات الفقر في شرقيّ القدس إلى مستويات قياسيّة غير مسبوقة إذ زادت نسبة الفقراء بين السكان العرب في مدينة القدس بنسبة 12% عمّا كانت عليه عام 2008، أيّ أنّها بلغت حدًّا يُقارب 75% من إجماليّ سكّان القدس وذكر التقرير أنّ ما يُقارب 84% تقريبًا من الأطفال العرب في القدس فقراء، فيما بلغت نسبة البطالة حوالي 22%. إنّ هذه الأرقام تعني وجود أكثر من 180 ألف فقير في القدس المحتلّة جلّهم من الأطفال يحصلون على دخلٍ أقلّ من الحدّ الأدنى.
أمّا قضية نواب القدس ووزيرها السابق فقد شهدت المزيد من تمادي الاحتلال إذ قررت المحكمة العسكرية إبعاد النائب المقدسي أحمد عطون إلى مدينة رام الله و تبع ذلك هدم خيمة الاعتصام و اختطاف النائب محمد طوطح و الوزير خالد أبو عرفة تمهيدا لمحاكمتهما بتهم ملفقة و ابعادهما عن القدس لتفريغها من سكانها و من الشخصيات القيادية
و لم يعد الصراع على القدس بين الطرف الفلسطيني العربي و الاسرائيلي بل دخلت القوة العظمى أمريكا الى الدائرة و أصبح الحصول على رضى اللوبي الصهيوني الأمريكي من قبل المتنافسين الرئاسيين يقتضي بالضرورة إقرار و دعم مشاريع التهويد و يهودية الدولة
و في ظل الخطورة و التهديد المستمر للقدس و المسجد الأقصى نتساءل: هل نحتاج الى اقتحام جماعات متطرفة للمسجد حتى تعود القدس و مقدساتنا الى صدارة اهتمام المشهد الإعلامي و السياسي و الشعبي؟! و هل القدس و المسجد الأقصى مجرد خبر اعلامي يسترعي انتباهنا إذا حضر و تغيب إذا غاب؟! الأ ندرك أن هناك مشاريع تهودية تحصل فوق الأرض و تحت الأرض دون أن نراها أو نأبه لها قد تتعاظم يوما ما،لا سمح الله، حتى يبلغ الاسرائيليون غايتهم في هدم المسجد الأقصى و بناء الهيكل؟!
لا بأس أن يتهم العرب بتحرير أوطانهم من ربقة الاستبداد الذي استعبدنا أكثر من الاحتلال بل جعلنا فريسة له بشرط أن تتوجه الأنظار و القلوب و الطاقات قبل و أثناء و بعد ذلك نحو مشروع الأمة العربية و الإسلامية الأكبر في تحرير فلسطين و المقدسات، فقد قام أبو بكر بإيقاف جيوش الفتح كلها و أرسل الى خالد بن الوليد يستحثه على الإسراع الى الشام لفتح بيت المقدس و جاء في رسالته" والله لقرية من قرى الأرض المقدسة يفتحها الله علينا أحب إلينا من رستاق من رساتيق العراق"، و كذلك فعل صلاح الدين الأيوبي الذي وحد مصر و الشام و انطلق بأهل البلدين نحو الفتح المقدسي العظيم
و عزاؤنا و بشرانا أن صناع الثورات و أبطالها لم ينفكوا يذكرون القدس و فلسطين في شعاراتهم و بعد انتصاراتهم و يعدونها بالعودة و التحرير "و يقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا".