العالم العربي يتشكل من جديد، وليس لأنظمة الاستبداد مكانة في هذا الجديد الذي يتشكل بأيدي الشعوب التواقة للحرية وللديمقراطية وللعدالة الاجتماعية . العالم العربي يتشكل والعالم الاستعماري يعبر عن قلقه لأن الروح الإسلامية تقود عملية التشكيل الجديد بنسب متفاوتة في البلدان الجديدة التي أسقطت طغاتها . العالم الاستعماري بمكوناته الكبيرة والصغيرة كان راعياً لأنظمة الاستبداد ومتماهياً معها، لذا فإن درس السقوط والانهيار كان لكليهما معاً.
الروح الاستبدادية تسقط ، والروح الاستعمارية تسقط أيضاً، ولكن من الصعب أن يتخلى أصحاب هاتين الروحين عن دورهما ومكاسبهما ، لذا تجد لهما جهداً مشتركاً في عرقلة عملية التشكل الجديدة ، وعرقلة عملية التقدم نحو الحرية والعدالة الاجتماعية. ما زالت الثورة التونسية لم تصل إلى أهدافها بعد ، رغم حالة الاستقرار النسبية والتقدم نحو الأمام، وما زالت الثورة المصرية تعاني العراقيل المخيفة بشكل قاسي، بل أشد قسوة من معاناة الثورة التونسية ، ويعود الأمر في ذلك إلى مركز مصر الكبير في العالم العربي وفي السياسة الإقليمية.
ما زالت بقية النظام المصري المنحل تتحكم في مفاصل الدولة ، وفي القرار، ومازالت لديها قدرات عالية على إثارة الفوضى والفلتان الأمني ، وهي في نشرها (للفوضى الخلاقة) تتلقى إرشادات ودعم واشنطن ودول الاستعمار التقليدي . ثمة معركة داخلية شرسة في مصر ، ومعركة أخرى شرسة وخبيثة مع قوى عالمية مستبدة تعمل على احتواء الثورة، وتدجين التغيير، وقولبته في مسارات منحنية في ضوء معادلة (العصا والجزرة)!!
الثورة في تونس لم تبلغ غايتها ، ولم تبلغ أهدافها ، والثورة في مصر لم تبلغ غايتها ، ولم تصل إلى أهدافها ، والثورة في ليبيا مازالت عالقة في الصراعات الداخلية وفي ملف الأمن والسلاح واستيعاب الثوار ودرس الثورة . والثورة في فلسطين أيضاً لم تبلغ غايتها ، ولم تصل إلى أهدافها ، ومازالت قيادات السلطة تنظر إلى الجديد الذي يتشكل بعين القديم الفاسد ، ومازالت ترفض التغيير ، وتتعامل بروح مبارك والقذافي وزين العابدين ، وكأن فلسطين لم تكن أولى الثورات ، وأول الربيع. الشعب الفلسطيني والمحلل السياسي، يعيش مفارقة كاوية وهو يتأمل حال الثورات (المصرية، والفلسطينية، والتونسية، والليبية) . قيادات تسقط لأن تاريخ صلاحيتها انتهى، وقيادات يمدد لها رغم انتهاء صلاحيتها ، وانطواء زمنها.
الثورة هي الثورة ، الثورة عالم جديد، عالم متمرد على القديم ، ولو كان القديم صالحاً لما كانت الثورة ، الثورة قامت لأن القديم فاسد ومعطوب ، ولا إصلاح لما فسد ، أو أفسده الدهر ، وليس للدورة الحضارية الجديدة أن تقوم أو تتقدم بلباس مرقع من قديم فاسد ،وجديد ثوري متحرك.
اخلعوا المرقع ، وانفضوا الأتربة ، وتخلقوا بالثورة وبالعدالة ، واسمعوا للشعب ، واحذروا روح الاستعمار وألاعيب الاحتواء ، والتوجيه ، واتركوا لغة الدفاع يوماً، ومارسوا الهجوم على الفساد والاستبداد ، ولا تخشوا التدخلات الأجنبية بل ردوها إلى عواصمها ، تستقيم لكم مخرجات الثورة حرية وعدالة وتحريراً، دون ترقيع ، لأن المرقع لا يستر ، ويشفّ عما هو قبيح .