يقوم أساس علم البرمجة اللغوية العصبية على أن قيم الإنسان وعاداته وسلوكه تتأثر بالأفكار التي تغذي عقله الباطن سواءً كانت أفكاراً إيجابيةً أم سلبيةً..فتكرار إرسال رسائل محددة إلى العقل الباطن يعمل على تعزيزها حتى تغدو سلوكاً راسخاً في حياة الإنسان يصعب تغييره.
هذه الرسائل ربما تتسلل لا شعورياً إلى العقل الباطن، لكنها تحفر أثرها عميقاً في النفس، فالطفل الذي يربيه أبواه منذ نشأته المبكرة على عدم مناقشة الكبار والسكوت في حضرتهم، وعدم التصرف إلا بالرجوع إليهما ينشأ مهتز الثقة بنفسه ضعيفاً لا يبادر ولا يمتلك الشجاعة للتعبير عن رأيه، وتظل هذه الصفة ملازمةً له حتى بعد أن يكبر ويستقل عن أبويه، لأن الأثر السلبي الذي تركته تربية والديه في نفسه لا يزال قائماً حتى وإن زال تأثير والديه المباشر..
لذا فمن الضروري أن نراقب الرسائل التي نرسلها إلى أنفسنا وإلى أبنائنا وتلاميذنا وأصحابنا جيداً فنحرص على أن تكون رسائل إيجابيةً مفعمةً بالثقة وبالقوة وليست رسائل سلبيةً تنمي الإحساس بالضعف والفقر.
قيمة هذه العلوم التنموية ليست في أن تظل علوماً نظريةً، ولا أن يقتصر تطبيقها على الأفراد، بل تنبع من القدرة على توظيفها في خدمة الإنسانية وصالح بالشعوب.
عندنا في غزة يمكن استحضار هذه الأفكار والاستفادة منها..حيث اعتمدنا منذ فرض الحصار علينا نمطاً معيناً من الخطاب الإعلامي قوامه الحديث عن المعاناة والقهر والحرمان الممارس ضدنا والضرر الذي طالنا بفعل هذا الحصار، والنقص في الغذاء والدواء، والحاجة إلى الأموال والمساعدات لإنقاذ غزة من الموت..
لا يلام الفلسطينيون في محاولتهم فضح الوجه اللا إنساني لدولة الاحتلال وتبيين حقيقة المعاناة التي يتعرضون إليها بفعل سياساته في سبيل استنهاض الشعوب وحثها على مساندتهم، لكن وجه النقد هو المبالغة في الشكوى والتذمر، ومد يد التسول حتى كاد الحديث عن الحصار يذهب بأي حديث إيجابي عن كرامة الفلسطيني وجهاده وصبره وعطائه، وصار عماد الخطاب الإعلامي لدى الناطقين هو مناشدة العالم بالتدخل لإنقاذ غزة من الانهيار، وحثهم على سرعة التبرع والمساعدة، وبذلك صارت يدنا السفلى بعد أن كانت العليا، وصار موقفنا أضعف مما كنا عليه ونحن نبث في الأمة روح الجهاد ونقيم عليهم الحجة بأفعالنا لا بأقوالنا فكانوا ينظرون إلينا فلا يرون منا إلا جلداً وتعففاً وصبراً ومصابرةً ومرابطةً..
خطورة هذا النمط من الخطاب الإعلامي "أنقذونا، ادعمونا، نطالب، نناشد" أنه يكسر حاجز التعفف الذي كان يجعلنا نفضل أن نبات على الطوى على أن نسأل الناس إلحافاً، ويرسخ في مجتمع تربى على الجهاد والرباط ثقافة التسول حتى يغدو شيئاً سهلاً مستساغاً نمارسه دون أن نشعر بالحرج فيذهب وقارنا من أعين الناس..وحين تترسخ هذه القيم السلبية في حياتنا فإن الخلاص منها يغدو صعباً حتى لو كسر الحصار، ولو فتحت علينا أبواب الدنيا..
إن تعويد النفس على السؤال ينسيها واجب العمل والإنتاج والاكتفاء الذاتي، لأنها تستسهل أن تأتيها حاجتها وهي مستريحة من العناء والتعب.من سلبيات المساعدات التي يقدمها المتضامنون جزاهم الله خيراً أنها مساعدات استهلاكية لا تشغل العاطلين عن العمل، ولا تؤسس لمشاريع إنتاجية تحقق الاكتفاء الذاتي، فهي كمن يقدم لك سمكةً لتأكلها ثم إذا جعت تطلب غيرها، ولو أنه أعطاك سنارةً وعلمك الصيد لأغناك طول حياتك عن المسألة.
يقول القرآن في وصف اليهود " ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ"، ولفظة ضربت تفيد الإحكام. فمن تبرمجت نفسه على الذلة والمسكنة يظل ذليلاً مسكيناً مهما أوتي من عناصر القوة وأسباب العزة لأن الذلة عميقة في نفسه، ومن أشرب قلبه الفقر والحاجة كتب الفقر بين عينيه وإن امتلك الملايين، ومن نشأ بنفسية الضحية والمظلومية كبر بهذه النفسية وورثها لأبنائه وأحفاده من بعده، وربما اقترف الجرائم بحجة الثأر من ظالميه ظاناً أنه لا يزال هو المظلوم وبأن الآخرين هم الظالمون..أرأيتم ماذا تفعل البرمجة السلبية بصاحبها؟!
إن المجتمعات تربى كما يربى الأفراد فوجب أن نربي مجتمعنا على العمل والإنتاج والاكتفاء الذاتي، والأكل بعرق الجبين، والعطاء والتعفف عن السؤال حتى تصبح هذه المعاني الإيجابية ثقافةً راسخةً عنده، وأن نحذر من أن نشيع فيه ثقافة السؤال والاستجداء..
"والله هو الغني الحميد"..