هذه هي الحلقة الثالثة عشرة من سلسلة: الحابل والنابل، خصصتها لتلخيص فصل من الكتاب الخطير: حبال من رمال، والفصل المقصود هو الفصل الثامن وعنوانه: «وداعاً للسلاح». واستغرق من الكتاب خمساً وعشرين صفحة، ويتحدث عن حقبة خطيرة وحساسة من تاريخنا الحديث، فترة الخمسينيات. حقبة عبد الناصر وثورة مصر، والثورة على الشاه في إيران، ولكن كل ذلك يأتي في سياق الحديث عن زرع «إسرائيل» في منطقتنا. يبتدئ الفصل بالحديث عن مشروع «جونستون»، يقول الكاتب «ايفلاند» ضابط المخابرات، أنّه بينما كان ما يزال في واشنطن علم بقدوم السفير «إيريك جونستون» من رحلة في الشرق الأوسط استغرقت عدة أسابيع ليقرر بأنّ «إسرائيل» وسوريا ولبنان والأردن قد قبلت مبدأ مشروع توحيد الإنماء، ليتقاسموا مياه نهر الأردن، وأصبح من الممكن أن يساهم العرب و»إسرائيل» في مشروع ذي فائدة مشتركة، وسوف يسمح هذا المشروع بعد أن يبدأ بقليل، بإعادة توطين بعض الفلسطينيين في وادي الأردن، وفكّرت في أنّ مثل هذا التعاون باتجاه هدف مشترك، يمكنه أن يكون خطوة كبيرة في طريق معاهدة سلام نهائي بين العرب و»إسرائيل». (خطط أمريكا ومشاريعها هذا سقف أهدافها: تمكين «إسرائيل» وتوطين اللاجئين وهما هدف واحد!)
يقول: وفي 24/10/54 عقدت مصر وبريطانيا معاهدة لإنهاء خلافاتهما بخصوص جلاء القوات الإنجليزية عن قاعدة السويس، وكانت هذه علامة أخرى جيدة، (الجيد من وجهة نظرهم إنهاء سطوة بريطانيا وحلولهم هم محلها!) (والاستقلال على الله!) يشهد لما قلت من تعليق قصير قول المؤلف: ومعها (مع الأخبار الجيدة) أتى تدخلي بنوع آخر من المباحثات في ارتباط أمريكي فائق السرية من أجل تزويد مصر بالأسلحة. (فائق السرية عن من؟ أعن «إسرائيل» والكل في خدمتها وتواصل معها؟!) يقول: فقد التقى السفير «كافري» في القاهرة، (ذكره مراراً هيكل في حلقاته في الجزيرة) بوزير الخارجية المصري محمود فوزي، وأخبر بأنّ الحكومة المصرية طلبت مساعدات عسكرية أمريكية، وألحّ أن نزيد مساعداتنا المالية إلى مصر، وذلك لتتمكّن من الشروع في بناء القوة العسكرية من مصادرها الخاصة. (تبني قوة عسكرية لمن و»إسرائيل» يتفق الكل على عدم المساس بها؟)
واعترضت إدارة المخابرات الأمريكية على قيام السفير «كافري» بأمر هذه المباحثات ووافقتها (أيّ المخابرات) الخارجية، وتقرر أنّ كل المباحثات الدبلوماسية الأمريكية المتعلقة بالمساعدات العسكرية ينبغي أن تبحث بين ناصر (رئيس الوزراء) وبين موفد (CIA) كيرميت روزفلت، (لاحظ أنّهم لا يريدون مفاوضات سياسية وإنّما أمنية، وهذا وراءه ما وراءه!)
ثم ذكر أرقاماً وتفاصيل نتجاوزها. وقال: لن يكون حاجة إلى مراقبة عسكرية على المعدات العسكرية المباعة أو المعطاة لمصر، (اعتماداً على الرقابة الذاتية!)
وذهب ضابطان من وزارة الدفاع وضابطان من CIAلمقابلة ناصر (لاحظ تجاوز محمد نجيب!)، ويتحدث عن ضغط CIAلإقالة «بايرود» (لأنّه أبدى بعض الملاحظات الموضوعية عن العرب و»إسرائيل»!)
ثم قال الكاتب: وكانت CIAتؤمن بأنّ ناصر سيكون أقوى رجل في مصر، وليس هناك أحسن من بايرود (ضابط كبير في وزارة الدفاع وكان على صلة مع كاتب الكتاب) ليتعامل مع رئيس ضباط مجلس قيادة الثورة الشاب، وكان عمر بايرود من عمر عبد الناصر (41) سنة. (عُيّن بايرود سفيراً لأمريكا في مصر وقد ذكره هيكل مرات أيضاً في حلقاته في الجزيرة!)
يقول الكاتب: وكان هناك سؤال: هل يستطيع ناصر أن يدعو القوات الأمريكية إلى قاعدة السويس، (يعني إحلال وإبدال مع الإنجليز!)، وهل يقبل أن ترتبط بلاده بمعاهدة دفاع إقليمية؟ (دفاع عن من وضد من؟ أرأيت المصطلحات وغموضها؟) ثم ذكر الكاتب كلمة لديفيس (من المخابرات): «نحن نجتمع لنحاول أن نراقب ونتحكم»! (كلام واضح، أظن!) ثم تحدّث عن تطور المخابرات، وعن مدرائها في أماكن مختلفة من أوروبا، ودور ألان دالاس (شقيق جون فوستر دالاس وزير الخارجية لاحقاً) في استسلام إيطاليا. وفي سنة 47 انقلبت صداقة الاتحاد السوفيتي إلى عداء، (تضارب المصالح الاستعمارية واختلاف اللصوص!). يقول: ظهر لأمريكا أنّ هدف روسيا الأساسي السيطرة على العالم! (ترى ما هدف أمريكا؟)
ثم يبيّن كيف توسّعت مهمات CIAمع تنامي العداء لروسيا، ثم تحدّث عما تورّطت فيه هذه المخابرات، (ثم أصبح الشقيقان جون فوستر دالاس وألان دالاس الأول الأكبر وزيراً للخارجية والثاني مديراً للمخابرات. ويتحدث الكتاب عن قذارات ألان وعلاقته بزوجة أخيه، لتعرف ما أمريكا!) ثم تحدث عن التنسيق بين CIAوالموساد، وبعبارته: «عقد اتفاق تبادل المعلومات وتنسيق العمليات مع إدارة الموساد الإسرائيلية وعلى هذه الإدارة اعتمدت إدارة المخابرات المركزية في جمع المعلومات السرية عن الدول العربية. (وهل على أمريكا سر ومخبّأ؟!)
وأما في إيران فإنّ رجل «ألان دالاس» الخبير أيّ «كيم روزفلت» عمل في سبيل تشكيل السافاك الإيراني، (ويحدّثونك عن حقوق الإنسان، وعن نشر الديموقراطية في الشرق الأوسط!)
وكان «كيم» يرى أنّه من الممكن استخدام مصر ناصر لخدمة أغراض الإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط، وخالفه خبراء وزراء الخارجية، لكن الأخوين دالاس رضيا بأن يجرّب كيم حظه مع ناصر. (تصور أنّ أزعم زعيم عربي مطموع فيه من قبل هؤلاء فما بالك بمن هم دونه من بقية الفرقة؟)
يقول الكاتب: ذهبنا إلى مصر بثياب مدنية لأن مهمتنا سرية، ولأن ناصر «تخلّص من 80 ألف جندي بريطاني، ولم يعد هناك حاجة إلى البدلات العسكرية الأجنبية»، ويقول إنّه اتفق مع «جيرهارد» الضابط الثاني أن يبدأ الحديث من نقطة: «المشاكل السياسية المتأصلة في جامعة الدول العربية»، (من أرادها كذلك؟) وفي ميثاق الدفاع المشترك، وعن الأسلحة المصرية المشتراة «لتأمين وتحسين أدوات الأمن الداخلي المصري»! (واضح جداً!)
يقول: وفي اليوم التالي (قبل اجتماعهم بناصر بيوم واحد. افهم!) علمنا أنّ الرئيس نجيب اتهم بتورطه في مؤامرة لاغتيال ناصر (غير مؤامرة الإخوان، طبعاً. تنوّعت المؤامرات، والمدعي واحد!) ويتوقع أن يتسلّم ناصر الرئاسة. (ولو كانت ثمة مؤامرة هل كان ناصر يكتفي بإقامة جبرية لنجيب؟ كان فرمه كفتة على رأي السادات، عندما قال: «أفرمه» يقصد من يمتد نظره إلى السادات ومركزه!)، (لا نريد أن ندخل في التكهن هل للأمريكان دور، فالكهانة مرفوضة!)
(بعد أن كتبت السطر الأخير، وجدت الكاتب يقول: «وتساءلت فيما إذا كانت CIAقد خططت مع ناصر للتخلص من نجيب» فُهمت يا جدعان، وبهذا نضمن كسر عين أتخن شنب!)
واستقبلنا «مايلزكوبلاند» (صاحب كتاب لعبة الأمم لمن لا يعرف!) مسؤول CIAفي مطار القاهرة، وكان طويل القامة، وكان يهدر باسم ناصر بسهولة (مفيش تكليف يعني!)، وهو ينجز إجراءات المطار الرسمية، وسجلنا في فندق «سميراميس» أكبر فندق في القاهرة وانتقلنا إلى منزل كوبلاند، وهناك قابلنا زوجته وعدداً من الأزواج الأمريكان، وكلهن في قسم المخابرات. وعلمت أنّ كوبلاند يتخفّى بستار التجارة. وألمح كوبلاند بأنّ كيم روزفلت «قد اخترع الرئيس المصري الجديد، وأدار معه بتعاون كبير المباحثات السياسية الأمريكية، تماماً كما فعل مع الشاه في إيران» (نقل حرفي).
وقال كوبلاند للكاتب: إنّ كيم، كما تعلم، قد جرّد الملك فاروق من ملكه، وإنّه الآن يعمل من أجل تسليم زمام البلد إلى ناصر. (أقول: عندما تعرّض هيكل لعلاقة كيم وكوبلاند بعبد الناصر قال: إنّه يبالغ، ولم ينف العلاقة).
وقال الكاتب: قال لنا كيم: «إنّ ناصر سيكون قريباً الناطق بلسان القوميين العرب»، يقول: وفي مساء اليوم التالي التقطنا كوبلاند من مدخل الفندق إلى المكان الذي سنقابل فيه ناصر، وهو بيت جونيور (الاسم الحركي للضابط المشبوه الرائد حسن التهامي عرّاب كامب ديفيد والذي كان يتصنّع أنّه صوفي وهو لغز محير، ولا أريد أن أزيد!)، يقول: إنّه أحد رجال ناصر المقربين والموثوقين. (متهم مع السادات بتسميم ناصر في عصير الجوافة عندما تغيّرت الأحوال!)
ودخل ناصر فقال: مَن جيرهارد ومن ايفلاند؟ وواضح أنّ كوبلاند عرّفه بنا سلفاً، وصافحنا ناصر وعامر بحرارة، وتكلّمت ببعض الكلمات العربية، وضحك ناصر، وقال عندما علم أنّي خدمت في العراق: لا بد أنّك تعرّفت على صديقي القديم الثعلب الماكر نوري السعيد. يقول: وقدم العشاء في بيت التهامي وخلع ناصر المعطف وربطة العنق، وطلب منّا الشيء نفسه لكي نتحدث براحة، وأخرج علبتين من الدخان الكنت ووضعها على الطاولة، ثم تكلّم عن صفاته وأنّه يتكلّم كقائد، ثم دار الحديث عن المستشارين، فاعترض ناصر قائلاً: على الأقل ليس الآن. وسألت عامر الذي رقي من رائد إلى لواء دفعة واحدة: ما هي الخبرات والدورات التي أهّلته لذلك؟ وانتهت المباحثات مع دقة الساعة منتصف الليل. ثم تحدّث الكاتب عن «كيرتز» الذي يعمل في وكالة CBSللأخبار بعد تقاعده من CIA. وتحدّث عن «ايشلبرجر» عضو CIAيعمل في وكالة إعلانات، وأنّه يشتغل الآن رجل الأفكار، ليخترع الطرق ليجعل حكومة ناصر شعبية في مصر والعالم العربي. وتابع كوبلاند كما يروي ايفلاند: جلبت عدداً من الاختصاصيين الأمريكان في أعمال الدعاية ليقدّموا النصح للمصريين العاملين في الصحف والإذاعة، كما جلبت عدداً من الألمان يقول الكاتب: من الواضح أنّ CIAقامت بعملية ضخمة في مصر. وكنت متأكداً أنّ القادة المحافظين في العراق والأردن ولبنان والسعودية والسودان لن يكونوا مسرورين.
ثم تحدّث عن كفاءة السفير «كافري» بعد أن اجتمع به في منزله. يقول: كنت في حضرة واحد من أعظم الدبلوماسيين الأمريكيين في عصرنا. وغبطت بايرود على مهمته في خلافة «كافري».
وكان الموساد مدركاً مهمتنا فحرّكوا اللوبي اليهودي في مجلس الشيوخ لتجميد المساعدات العسكرية. وغادرت القاهرة وأنا أشعر أنّ ناصر قد أدرك بأنّ وزارة الخارجية الأمريكية لا ترغب في تنفيذ تعهدات الرئيس إيزنهاور في تقديم المساعدات العسكرية إلى مصر! وللحديث صلة.