في تفنيد حملة اليسار الإنتهازي على حماس

نشر 04 فبراير 2012 | 12:05

محاولة الإساءة التي تعرض لها خالد مشعل, ووفد "حماس", اثناء خروجه من بيت العزاء بشيخ المجاهدين المرحوم بهجت أبو غربية, في عمان، لم تكن التعبير الأول عن العداء الذي تكنه فصائل اليسار الفلسطيني (وكله انتهازي كما أثبتت التجارب العملية) للإسلام السياسي في الساحة الفلسطينية, ما ينفي صحة التبريرات التي قيلت في ذلك, من أن هذه المحاولة جرت على خلفية العلاقات الوطيدة التي تربط "حماس" بقطر, وإمتناع حركة المقاومة الإسلامية عن إعلان موقف سياسي منحاز إلى جانب النظام في دمشق, ضد الشعب السوري.

 

يعود هذا الموقف العدائي إلى بدايات تشكيل جماعة الإخوان المسلمين سنة 1928.

 

الأيديلوجيا المناقضة للإيمان تحكمت الآن المعادلة الراهنة.

 

للتذكير, فإن الجبهة الشعبية بالذات هي التي عطلت تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية, حين فازت "حماس" بإنتخابات 2006, إذ امتنعت عن المشاركة في الحكومة, ممهدة الطريق أمام كل البلاوي التي ألمت بالساحة الفلسطينية منذ ذلك الوقت, وحتى الآن..!

 

العداء للإسلام والإسلاميين هو السبب الرئيس المنتج لكل ما تعرض له الشعب الفلسطيني بعد ذلك, ومن ضمنه العدوان الإسرائيلي واسع النطاق على قطاع غزة أواخر 2008, اوائل 2009.

 

يرتكز عداء اليسار الفلسطيني لحركة "حماس", وجميع القوى الإسلامية إلى ما يلي:

 

أولاً: الموقف الأيديولجي المعادي للإسلام والإسلاميين, المشار إليه سابقاً.

 

ثانياً: تفوق حركة "حماس" نضالياً وتنظيمياً (كماً ونوعاً) على فصائل اليسار التي سبقتها من حيث تاريخ التأسيس بسنوات طوال.

 

ثالثاً" اعتبار فصائل اليسار أن فوز "حماس" في الإنتخابات التشريعية الفلسطينية سنة 2006 لم يكن فقط هزيمة لحركة "فتح", وإنما هو هزيمة لها في المقام الأول.

 

لقد حصلت حركة "حماس" في تلك الإنتخابات على 74 مقعداً, وحصلت حركة "فتح" على 45 مقعداً, فيما حصلت الجبهة الشعبية على 3 مقاعد, وثلثي نائب لكل من الجبهة الديمقراطية, حزب الشعب, وفدا..!

 

لقد فاز نائبان للقائمة التي تشكلت من ثلاثة احزاب يسارية..!

 

رابعاً: اهتمام القيادة السورية بحركة "حماس" أكثر من أي فصيل فلسطيني آخر منذ قدومهم إلى سوريا سنة 1999, في حين أن بقية الفصائل موجودة في دمشق منذ عقود سابقة.

 

خامساً: تعامل مختلف الدول والأحزاب والقوى السياسية مع حركة "حماس" بإعتبارها فصيل مقرر.

 

سادساً: الإهتمام الإيراني بحركة "حماس" أكثر من اهتمامها بالآخرين, والمعنى هنا حجم الدعم المالي الذي كان يقدم لـ "حماس" مقارنة بالآخرين.

 

سابعاً: تحول "حماس" إلى قطب بارز في الساحة الفلسطينية, تعمل الدول الكبرى ومختلف القوى على اقامة العلاقات معها, دون الفصائل المجهرية, أو التي تحولت إلى مجهرية, ومن بينها الجبهة الشعبية, الفصيل الثاني سابقاً في منظمة التحرير..!

 

ثامناً: قيادة حركة "حماس" لقوى التحالف الوطني المعارض, الذي يتخذ من دمشق مركزاً له, ما أدى إلى تحسس الجبهتين الشعبية والديمقراطية اللتان ابعدتا, أو ابتعدتا عن التحالف, وعن صيغة الفصائل العشر, جراء اصطفافهما ضد نتائج الإنتخابات التشريعية, وتحسس الفصائل الأصغر, التي بقيت ضمن التحالف بقيادة "حماس", رغم أنها أقدم تاريخياً.

 

تاسعاً: تراجع قدرة فصائل اليسار على مواصلة المقاومة المسلحة جراء تراجع امكانياتها المالية والتنظيمية, واضطرارها للتحالف مع حركة "فتح" قائدة منظمة التحرير الفلسطينية, وحاملة مفاتيح الصندوق القومي الفلسطيني..!

 

عاشراً: انفضاض الجماهير من حول فصائل اليسار, وانحصار حالة الإستقطاب في الساحة الفلسطينية والعربية حول حركتي "فتح" و "حماس".

 

حادي عشر: تقتير حركة "حماس" في دعم هذه الفصائل مالياً.

ثاني عشر: اشتراط ايران على أي فصيل فلسطيني تنفيذ عمليات عسكرية لكي تساعده مالياً, وهو الأمر الذي لم تستطع أغلب الفصائل تلبيته..!

 

في ضوء هذه العوامل والأسباب الإثنتي عشرة, لم يكن متوقعاً أن تجالس أياً من قادة فصائل اليسار الفلسطيني على مدى السنوات الأخيرة, دون أن تستمع إلى تعليقات مباشرة أو غير مباشرة, تستهدف حركة "حماس" وقادتها, إلا من رحم ربي.

 

موقف هذه الفصائل من حركة "حماس" هو إذا سابق بكثير, لإنطلاقة الثورة الشعبية في سوريا, ضد النظام.. وسابق كذلك على توطد العلاقة بين "حماس" وقطر..!

 

ولذلك, يمكن قراءة تحول انتقادات هذه الفصائل لحركة "حماس" من السرية إلى العلنية, وتركزها على علاقات "حماس" المميزة بقطر, وامتناعها عن الإنحياز إلى جانب النظام ضد الشعب السوري، بأنه يهدف إلى تهيئة الأجواء في دمشق لطرد قادة "حماس", كي تستعيد هذه الفصائل مكانتها السابقة في سوريا, التي شغلتها حركة "حماس" منذ وصول قادتها إلى دمشق سنة 1999, وهذا يستدعي مهاجمة ونقد علاقة "حماس" بقطر, ما دامت سوريا تتهم قطر بالإنحياز ضد النظام, وتحريضاً لدمشق ضد "حماس".

 

يفسر ذلك ويؤكده تصدي هذه الفصائل لحركة "حماس", ومهاجمتها لحساب النظام السوري, الذي يبدي حرصاً لافتاً على بقاء قادة حركة المقاومة الإسلامية في دمشق, وعدم مغادرتها، وإلا فأي مقاومة هي التي ترعاها ممانعته..؟!

 

ولكن, لم امتنعت "حماس" عن الإنحياز إلى جانب النظام ضد الشعب في سوريا, وما هي نتائج الحملة الشرسة التي تتعرض لها حركة المقاومة الإسلامية من الراغبين والساعين إلى استعادة مكانتهم القديمة في دمشق..؟

 

بإختصار شديد, إن اخطاء النظام السوري برفضه الإستجابة المبكرة لمطالب الشعب الإصلاحية, جعله عبئاً على كل حلفائه, وليس فقط حركة "حماس".

 

ولئن امتنعت "حماس" مبكراً عن الإنحياز إلى النظام ضد شعبه, فإن ايران وحزب الله, وكذلك فصائل اليسار الفلسطيني ستجد نفسها مضطرة للإنفضاض عن هذا النظام, ولو قبيل أو بعيد سقوطه, للحفاظ على مصالحهم مع سوريا وفيها..

 

هؤلاء لم يغفلوا عن هذه الحقيقة فقط, لكنهم غافلون كذلك عن الحقيقة الأهم, وهي أنهم يدفعون "حماس" للخروج من إطار التحالف السوري ـ الإيراني, متساوقين بذلك, ليس فقط مع امراضهم الأيديولوجية, إنما كذلك مع الأهداف التي لطالما خططت لها الولايات المتحدة والناتو..!

 

يستدعي ذلك التذكير هنا بأمرين هامين:

 

الأول: أن فصائل اليسار الفلسطيني في دمشق تتلقى الدعم المالي من ايران, فيما يتقاضى قادتها وكوادرها ومتفرغيها رواتبهم من منظمة التحرير الفلسطينية برئاسة محمود عباس..!

 

أي من الأموال الأميركية والأوروبية التي تضخ للسلطة الفلسطينية..!

 

ولذلك, فد كرست هذه الفصائل منذ زمن بعيد مقولة "مقايضة المواقف بالمصالح"..!!

 

الثاني: أن الخيانة السياسية لصالح الأمانة الأيديولوجية ظلت صفة ملازمة، ليس فقط لليسار الفلسطيني, بل لليسار العربي قاطبة.

 

من أبرز تطبيقات ذلك اعتراف الحزب الشيوعي الفلسطيني (مؤسسه يهودي) بحق اسرائيل في الوجود, قبل قيامها..!!

 

وقبل ذلك, انحياز الحزب الشيوعي العراقي إلى جانب قوات الغزو والإحتلال الانجليزي للعراق في آيار/ مايو 1941, واسقاط حكومة الدفاع الوطني برئاسة رشيد عالي الكيلاني, استناداً إلى:

 

1ـ معاداة الفكر القومي, وفكرة القومية العربية لصالح الفكر الأممي, الذي تعامل منذ بداياته مع الفكر القومي بإعتباره تجسيد للشوفينية..!

 

2ـ لأن بريطانيا كانت متحالفة مع روسيا خلال الحرب العالمية الثانية..!

 

الشيوعيون, كعنوان لليساريين العرب, تحالفوا لاحقاً (1958 ـ 1963) مع الدكتاتور عبد الكريم قاسم ضد كل التيار القومي في العراق, وعلقوا على كل عامود نور في الموضل (1959) مناضل قومي

ولا ننسى أن قادة وكوادر الحزب الشيوعي عادوا للعراق على دبابات العزو الأميركي سنة 2003.

 

ونختم متسائلين:

 

•·    لم يمنح اليسار الفلسطيني والعربي الحق للنظام السوري بأن يقتل معارضيه, في حين كان هؤلاء ضد النظام العراقي الذي لم تبلغ دمويته ما هو حادث الآن في سوريا..؟!

 

•·    لم يكون مسموحاً لفصائل اليسار الفلسطيني أن تتلقى المساعدات والرواتب من المنح الأميركية والأوروبية للسلطة الفلسطينية, ولا يكون من حق "حماس" أن تتلقى دعماً من قطر..؟

 

•·    لم يكون من حق حزب الله أن يستقبل أمير قطر بعد حرب تموز/ يوليو 2006, وأن يقبل تبرعه بإعادة بناء كل ما هدمه العدوان الإسرائيلي, ولا يكون من حق "حماس" أن تتلقى مساعدات قطرية لإعادة بناء ما هدمه العدوان الإسرائيلي في قطاع غزة, والإنفاق على الخدمات العامة في القطاع..؟!

 

•·    لم يسمح اليسار الفلسطيني, والعربي عموماً, بإعلان العداء على الإسلام السني ممثلاً في "حماس" والإخوان المسلمين، والجهاد الإسلامي، وأن يتحالف في ذات الآن مع الممول الشيعي في إيران..؟!

 

وبعد، نعرف وندرك أسباب انحياز حزب البعث السوري للنظام في دمشق، ولكن الذي لا نعرفه هو أسباب انحياز رفاق صدام حسين إلى هذا النظام..؟ ولا نعرف كيف يحق للنظام السوري وايران محالفة عملاء اميركا في بغداد.. كما أننا لا نعرف كيف ترحبون ببث قناة "الجزيرة" القطرية تفاصيل العدوانين الإسرائيليين على لبنان وقطاع غزة، والحروب في كل مكان، باستثناء حرب النظام السوري على شعبه..؟!

 

على كل حزب البعث في سوريا فشل في إقامة دولة الحزب، وتحول إلى حزب السلطة.. أما الجبهة الشعبية، المتحولة من الفكر القومي إلى الفكر الماركسي الأممي منذ 1969، فلا يحق لها أن تتحدث بعد كل هذه السنين بإسم القومية العربية، وتعارض حركة "حماس" الإسلامية بإسم القومية العربية.. عروبة "حماس" أكثر رسوخا من ماركسيتكم..!

 

الذين يعارضون "حماس" الآن هم أعداء الإسلام والإسلاميين، أما القوميون فإنهم يظلون مع خط ونهج المقاومة التي فرطتم بها، وتتمسك بها "حماس" ثقافة وممارسة، وإن توقفت الممارسة عمليا منذ بعض الوقت بانتظار إعادة الجماهير إلى حياتها الطبيعية والإستعداد لمعارك قادمة.

 

 

إن كنتم أنتم من يمثل الموقف القومي، فما الذي نمثله نحن..؟!!