لعينيك لا للشرق الأوسط

نشر 04 فبراير 2012 | 12:04

هي قصة واقعية لأحد أبناء العرب المتميزين الذي نشأ في بيت علم وأدب وساقته خطى كان لا بد منها لإكمال دراسته العليا إلى أمريكا التي قدّرت تفوُّقه وتميُّزه بل ووظّفته أيضا على أمل أن تغسل دماغه بكل المحفّزات على البقاء بما فيها الجنسية! وأثناء عمله وبحثه في إحدى الشركات المشهورة، والتي تعتبر الشرق الأوسط والعالم العربي خصوصا من أوسع وأهم أسواقها، كان يعمل على أبحاث تطويرية تحمل صفة السرية classified، ويرفقها المسؤول بعبارة (لعينيك لا للشرق الأوسط) (for your eyes only not for the Middle East)، ولمّا لم تنفع مع الشاب الإغراءات الأمريكية وقرر العودة لبلاده للتدريس في جامعة حكومية لا تمنح شيئا من المميزات قال له مديره: بعدما علّمناك ودرّبناك تعود إلى الشرق الأوسط؟! فردّ عليه الشاب أنّ الشرق الأوسط بلده ومن الطبيعي أن يعود لخدمتها، ولم يعجب الأمريكي رده بل واستهجن موقفه واعتبره عضّ اليد التي امتدت إليه بالعلم والتدريب ولم يقدّر النعمة التي كان فيها!

 

هذه القصة الواقعية تجعلنا نوقن أنّه بالرغم من كل دعوات التقارب بين البلاد والحضارات المختلفة إلاّ أنّ أمريكا خصوصا وأوروبا عموما ما زالت تتعامل معنا بنظرة الأسياد والعبيد والمثقفين والمتخلفين حيث السبق لهم والتميز صنيعتهم وما يصلنا من علم ومنتجات يصلنا بإذنهم وما يسمحون بوصوله لنا لا يزيد في تقدّمنا أو تحرّرنا بل يزيد في تبعيتنا لهم سياسيا واقتصاديا وعلميا واجتماعيا، حتى عاد حلم الانعتاق والانفكاك عن الغرب واستبداله بوحدة عربية فعّالة خرفا وجنونا وضربا من المستحيل!

 

وبعض من يصلهم من بني جلدتنا ويتميّز يحرصون على استبقائه ودمجه وتغيير هويته وأفكاره فلا يبقى من عروبته سوى اسمه، ومن حصّل علومهم وأراد أن ينفع بها بلاده دون إذنهم يداون تمردّه عليهم بالإيذاء أو التصفية!

 

ولكن حتى أهل القناعات والمبادىء مضطرون إلى الغرب بعدما أصبحت مفاتيح العلوم بأيديهم وكذلك الاعتماد وكذلك السمعة والأرقام والإحصائيات تشهد لهم، ففي أمريكا وحدها 5758 جامعة، بينما العالم العربي والإسلامي لا يوجد فيه أكثر من 500 جامعة، ولم تحرز أيّ جامعة عربية باستثناء جامعة القاهرة، كون بعض خريجيها من حملة نوبل، مركزا في قائمة أفضل 500 جامعة على مستوى العالم، بينما حققت 6 جامعات في الكيان الصهيوني مراكز متقدمة في القائمة!

 

نسبة التعليم في أوروبا 90 في المئة بينما نسبتها عندنا لا تزيد عن 40 في المئة، فهل الجهالة أصل فينا؟ أم أنّها تراجع حضاري؟!

وإذا كان التقدم أوروبي المصدر فقط فلماذا تحوي الهند كبلد فقير 8407 جامعة، بل وأصبحت قبلة العالم في إنتاج رقائق السيلكون الأساسية في الصناعات التكنولوجية؟! وماذا فعلت سنغافورة مثلا حتى ترتفع صادراتها من المعدات التقنية إلى 68 في المئة، بينما صادرات الدول العربية الغنية كالسعودية والإمارات لا تزيد عن 3 في المئة حسب آخر إحصائيات منظمة التجارة. وقد توصّلت دراسة منشورة على شبكة الانترنت إلى نتائج مؤلمة لا نملك تزويقها ولا الالتفاف عليها:

 

1. الدول العربية لا تملك القدرة عل صنع المعرفة.

2. الدول العربية لا تملك القدرة على نشر المعرفة حتى لو كانت مستوردة.

3. الدول العربية لا تملك القدرة على تصنيع المعدات التقنية والثقيلة.

كانت جدتي على أميتها وبساطتها تقول «لا يأتيك من الغرب شيء يسرّ القلب»، وهي صادقة فهم لا يسمحون أن يصلنا منهم إلاّ الفتات، فهل نتلقّى كل ما يأتينا منهم بترحيب السذَّج؟!

 

وإلى متى نضطرّ أبناءنا للهجرة غربا لتلقّي العلوم ليسمعوا بآذانهم سُبة أوطانهم ومنهم من يجرفه التيار ومنهم من يرفض ويعود فلا يحصل في بلاده عنبا ولا بلحا ولا مكانة ولا إكراما ولا عونا على البحث والتميز؟!

وكم من الاختراعات والإنجازات والعلوم وليدة الغرب كُتب عليها (ممنوع الوصول إلى الشرق الأوسط والعرب) مع أنّها تصل إلى أعدائنا على بُعد أمتار منّا؟!