هذه هي الحلقة الحادية عشرة من الحابل والنابل. وقد قسمتها شطرين: الشطر الأول في رحاب اللغة وحقولها الخصبة الغنية. والشطر الثاني: في أحابيل السياسة ودهاليزها ودروبها الخفية، وخارطة طريقها في شوارع الضباب والغواية وسبل الضلال والمهلكة. وفي هذا القسم الثاني من المقال تابعنا كتاب ضابط الاستخبارات الأمريكي ايفلاند: حبال من رمال. ونحن مع الفصل السادس من هذا الكتاب. وقد عز عليّ ألا يطلع عليه هذا الجيل. وقد قرأته قبل حوالي ثلاثين سنة. ورجعت إليه الآن، فما زالت الأمور (حطة إيدك) على ما هي عليه، كما كانت عندما كتب الكتاب. وأرجو ألا أكون في تقديري مخطئاً. فإن كان كذلك عدلت عن هذا المسار. فإلى اللغة:
في رحاب اللغة.
قال اللسان: والحبَلة والحُبَلة (أي بفتح الحاء وضمها وحركة الباء فتحاً في الحالين): الكرْم (بسكون الراء). والحبلة: طاق من قضبان الكرم. والحَبَل: شجر العنب، واحدته: حَبَلة. وَحَبَلة عمرو: ضرب من العنب بالطائف، بيضاء محددة الأطراف متداحضة العناقيد. (قال يوسف خياط في «هوامش» اللسان 2/1284: هكذا في الأصل! ولم يعقب ولم يشرح ولم يبيّن ولم يفصل. وأعتقد أنها صحيحة. فبعض عناقيد العنب كبعض قطوف الموز تكون متراكبة متناسقة منسجمة وبعض أصابع الموز تكون متنافرة، وكذا حبات العنب، بعض أنواعها يكون حبها متراكباً أي منسجماً وبعضها متنافراً. والله أعلم!)
قال اللسان بعد أن عدنا إليه: «وفي الحديث: لا تقولوا للعنب الكرْم ولكن قولوا العنب والحبَلة. بفتح الحاء والباء وربما سكنت (يقصد الباء!) هي القضيب من شجر الأعناب أو الأصل. وفي الحديث: لما خرج نوح من السفينة غرس الحبلة. وفي حديث ابن سيرين: لما خرج نوح من السفينة، فَفَد حَبَلتين كانتا معه، فقال له الملَك: ذهب بهما الشيطان، يريد ما كان فيهما من الخمر والسكر. (لا داعي للتذكير بأن اللسان يتساهل في رواية الحديث، فمثل هذا لا يمكن أن يصح! واللسان يحتاج إلى تخريج أحاديثه فاستخراج الأحكام اللغوية من الحديث ليس أقل أهمية من استخراج أحكام أخرى. فاللغة أساس كتابنا. فتخريج أحاديث اللسان من الأهمية بمكان!) قال الأصمعي: الجفنة: الأصل من أصول الكرْم، وجمعها الجفْن، وهي الحبلة، (بالمناسبة الحبَلة في العامي الدارج بستان العنب والتين وغيره!)
ونعود للسان: وروي عن أنس بن مالك: أنه كانت له حَبَلة تحمل كُرّاً وكان يسميها أم العيال، وهي الأصل من الكرْم انتشرت قضبانها عن غراسها وامتدت وكثرت قضبانها حتى بلغ حملها كراً.
ويواصل اللسان معاني مادة «حبل» فيقول: «والحبل: الامتلاء. وحبل من الشراب: امتلأ. ورجل حَبْلان وامرأة حَبْلى: ممتلئان من الشراب. (قلت: الامتلاء قاسم مشترك بين هذا المعنى الجديد وبين حبل الرمل، فذاك كما مرّ معنا: المجتمِع الكثير العالي. والرمل المستطيل الضخم..الخ)
والحُبال: انتفاخ البطن من الشراب والنبيذ والماء وغيره. قال أبو حنيفة: إنما هو رجل حُبلان وامرأة حُبلى، ومنه حبل المرأة وهو امتلاء رحمها. والحبلان: الممتلئ غضباً. (هذا امتلاء مجازي!) وحبل الرجل: إذا امتلأ من شرب اللبن، فهو حبلان، وامرأة حَبلى. وفلان حبلان على فلان أي غضبان. (هذا في العامي الدارج مستعمل وارد) وبه حبل أي غضب (للأسف أن الغضب عند العرب شعور لا يشتعل إلا بثقاب خلافاتنا ولا يشتعل غضبنا على عدونا الحقيقي!)
قال: وأصله من حبل المرأة. قال ابن سيده: والحبل الحمل وهو من ذلك لأنه امتلاء الرحم. وقد حبلت المرأة تحبل حَبَلاً، والحبل يكون مصدراً واسماً، والجمع أحبال، قال ساعدة فجعله اسماً:
ذا جرأة تسقط الأحبال رهبته مهما يكن من مسام مَكْرَه يَسُم
ولو جعله مصدراً وأراد ذوات الأحبال لكان حسناً.
(ونختصر ما في اللسان من حابلة وحبلة وحبليات وحبالى فالكتاب حبلان أعني «حافل» «وحابل»، ونختصر قول بعض نساء الأعراب: أجد عيني هجّانة وشفتي ذَبّانة وأراني حبلانة، فلا متسع لكل هذا، فالصفحات أصبحت «ممتلئة» بهذه المادة!)
ونعود: وفي الحديث: نهى عن بيع حبَل الحبَلة، وهو أن يباع ما يكون في بطن الناقة، وقيل: معنى حبل الحبلة حمل الكرمة، قبل أن تبلغ، وجعل حملها. قبل أن تبلغ حبَلاً، وهذا كما نهى عن بيع ثمر النخل قبل أن يزهي. وقيل: حَبَل الحبلة ولد الولد الذي في البطن، وكانت العرب في الجاهلية تتبايع على حبل الحبلة في أولاد أولادها في بطون الغنم الحوامل. وفي التهذيب: كانوا يتبايعون أولاد ما في بطون الحوامل فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. (أعتقد أن هذا ناشئ عن الحرص على السلالة، بأن تكون فرساً أصيلة مشهورة معدودة، تصلح للسباق في لندن وغيرها، فيتبايعون السلالات قبل أن تولد، وهو منهي عنه كما ترى. وبعض الإبل كذلك، ويبلغ سعر بعض النوق مليون ريال وأكثر فتباع ذراريها حرصاً على السلالة. وكذلك بعض الغنم الشامي الذي يبلغ الرأس منه أحياناً عشرين ألف دينار!)
2- في أجابيل السياسة: حبال من رمال.
هذا هو الفصل السادس من كتاب ضابط المخابرات الأمريكي «ايفلاند» وكتابه هو: «حبال من رمال»، وفي هذا الفصل يتحدث عن خدمته في الشرق الأوسط ثم عودته إلى واشنطن ليلخص للجنرال «بارتردج» حوادث الحدود التي حصلت (بين إسرائيل والأردن) ويشير الكاتب إلى إحراز إسرائيل نصراً في الأمم المتحدة، إذ ثبت مجلس الأمن القرار الذي يأمر (يأمر خلي بالك) مصر بإنهاء الحظر على مرور الشحنات التجارية العالمية المتوجهة إلى إسرائيل عبر قناة السويس. ثم يقول: والآن وبعد أن حلت المشاكل بين إسرائيل ومصر وسوريا بصورة مؤقتة، كان زملائي في واشنطن يتمنون ألا تنتقم إسرائيل من الأردن. ثم ذكر افتراضات مايك كين عن أن إسرائيل سوف تشغل الانتباه عن منطقة «جسر بنات يعقوب» (في منطقة الحمة شمالاً)، ثم تتابع أعمالها هناك. ثم يقول: وخلال أيام شنت فرقة من الجيش الإسرائيلي هجوماً على الأردن، وكان الهدف قبية، وهي بلدة صغيرة مجردة من السلاح بعيدة عن الحدود، وقتل ثلاثة وخمسون شخصاً بين رجل وامرأة وطفل، داخل بيوتهم، وترك الجرحى ليموتوا، فأصبح مجموع القتلى ستة وستين قتيلاً.
ووجد مراقبو الأمم المتحدة الذين أرسلوا إلى هناك أن إسرائيل، بالرغم من إنكارها، قد استعملت الفرق الحربية النظامية. (كنت طفلاً صغيراً وقتها أي سنة 53 وقد رفعني الوالد رحمه الله على أكتافه في الليل لنراقب تفجيرات قبية، وكنا نسكن وقتها في قرية مجاورة من قرى رام الله هي قرية رنتيس، وقد شهدت جل الأحداث من موقعي في قمة المرتفع المطل على قبية!)
نعود إلى الكتاب يقول: وعندما طلبت الأردن أن يجتمع مجلس الأمن ليدين إسرائيل تضمنت ترتيبات الولايات المتحدة، من أجل المناقشات، إرسال خبراء في المنطقة من واشنطن ليحققوا مع بعثتنا، وكنت واحداً من الذين اختيروا لذلك، وبدأت عملي بدرس التقارير المرسلة من مراقبي الأمم المتحدة، ومن الذين حققوا في غارة قبية. يقول: وكان وزراء خارجية الدول الثلاث الكبار (أمريكا وروسيا وبريطانيا) يجتمعون في لندن، وأكدوا حفظ خطوط الهدنة العربية الإسرائيلية، وبدا لي أن الثلاثة أرادوا تجنب اجتماع مجلس الأمن، خصوصاً من أجل إدانة إسرائيل.
ثم يذكر تفاصيل كثيرة أذكر منها أن «صموئيل» (أحد مندوبي أمريكا في الأمم المتحدة وواضح أنه يهودي!)، يقول: قدمني صموئيل إلى «بيرغر» رئيس المجلس الأمريكي لليهود، وهو الحاخام الذي أوقف نفسه على تخليص اليهود من النازية، وأخبرني صموئيل أن بيرغر يتحدث باسم القسم الأكبر والمؤتمر من جمعية اليهود الأمريكية. وهو يعتقد أن قوة إسرائيل وبقاءها يعتمدان على بذل كل مجهود ممكن لتثبيت أسس السلام مع جيرانها العرب.
ثم ذكر عن صموئيل هذا أنه في سن 39 انضم إلى شعبة مكتب هيئة الأمم المتحدة لأعمال الشرق الأوسط، وأصبح نائباً لرئيسها من سنة 47-49، أي خلال مناقشة الولايات المتحدة لقضية فلسطين، وتأسيس دولة إسرائيل، وكان كوبر (صموئيل) آنذاك العضو الرئيس لبعثة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة.
وأصبح سنة 52 مستشاراً لستيفنسون لشؤون الشرق الأوسط. ثم دخل عالم النفط وقبل عرضاً من شركة أرامكو التي كانت توجه بشكل فعلي السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط خاصة في الدول المنتجة للبترول (!!)، ثم أصبح معاون مدير أرامكو، ثم جرى تعيينه مشرفاً على مصالح الشركة في الأمم المتحدة (وهل هي دولة؟!)
يقول إن زيارته للأمم المتحدة واجتماعه مع صمويل كشف له ما يدبر خلف الكواليس، وكيف سيكون التصويت لإدانة إسرائيل غير كامل. (وتظل أمريكا صديقة العرب وحليفة العرب وولي العرب والآمر على العرب. كيف يا عرب؟ لا أدري يا عرب!) يقول: ووظف الإسرائيليون كل إمكاناتهم لتفادي المناقشة، وهي تعرف حجم الضرر الذي يمكن أن تسببه إدانتها. وفي اللحظة الأخيرة اتهم ممثل إسرائيل (آباإيتان) اتهم الأردن، بأن 3 رعاة غنم إسرائيليين وغنمهم (150) رأسا قد خطفوا، ودعا إلى مباحثات سريعة لإقرار الحدود الدائمة بين إسرائيل والأردن، وكان واضحاً أنه يريد صرف الانتباه إلى أمور أخرى. وكان النقاش بخصوص قبية قد أقر في جدول الأعمال، والسؤال الوحيد المطروح كان من سيدعم اتهام إسرائيل وإدانتها؟!
وعندما جلسنا نتابع مناقشات مجلس الأمن، أوضح «صموئيل كوبر» أن النتيجة قد عرفت مسبقاً، لكنه لم يكن يتوقع أن التصويت النهائي سيكون 9 مقابل صفر، وامتنعت لبنان وروسيا عن التصويت.
ورفض مجلس الوزراء الإسرائيلي والكنيست توبيخ الأمم المتحدة وإدانتها، وانكرت كذلك أي تدخل عسكري في قبية، وكنت أتساءل: ماذا يمكن أن يكون وراء جهود إسرائيل الشرسة للتفادى أي مناقشة بخصوص قبية إلى حد المجازفة بفقدان دعم أمريكا الاقتصادي، وكانت إسرائيل قد ربحت عندما قبلت عضويتها في الأمم المتحدة، ولكن برفضها الآن قرارات مجلس الأمن، قوضت سلطة المنظمة التي كانت السبب في وجودها. وفوق هذا كله كان لجوء إسرائيل إلى استخدام القوة لحل خلافاتها، يمكن أن يقودها لشن حرب واسعة ضد العرب، وهكذا كانت قبية نقطة التحول الرئيسة في موضوع: هل سيرى الشرق الأوسط السلام، أم سيبقى في مرحلة مستمرة من النزاع؟
(يذكر شاريت (وزير خارجية) أن موشي ديان أمر بتشكيل وحدات خاصة وأن شارون هو الذي قاد حملة قبية) والحديث موصول.