لم تتعرض قضية في التاريخ لمثل ما تعرضت له القضية الفلسطينية من تشويه، الأمر الذي يعود في جانبه الأساس إلى طبيعة العدو الذي واجهه الشعب الفلسطيني، والذي كان ولا يزال مدججاً بأدوات القوة الدولية التي لم تتمتع بمثلها قوة محتلة في التاريخ البشري.
من هنا كان العالم الذي يقف خلف هذا العدو هو الذي يتولى كبر عملية التشويه، والذي يأتي في جانب أساس منه نتاج عمليات استدراج للطرف المستضعف في الصراع، وبالطبع حتى يتخلى عن ثوابته واحداً إثر الآخر من دون أن يخلع ثوبه النضالي أو يتخلى عن نكهته الثورية. وإلا فمن يصدق على سبيل المثال أن حركة ثورية تأسست من أجل تحرير الأراضي المحتلة عام 48 (لم يكن ما تبقى من فلسطين قد احتل بعد)، من يصدق أن هذه الحركة لن تُمضي وقتاً طويلاً حتى تتخلى عن ذلك الجزء الذي تأسست من أجل تحريره، وتركز نضالها على الجزء المتبقي، قبل أن تشرع في تقديم تنازلات تتعلق به أيضاً، وكل ذلك من دون أن تتخلى عن صورته الظاهرة كحركة ثورية يطبل لها قطاع من الناس ويزمرون.
ليس هذا نقداً لحركة فتح، ولا لعموم الفصائل التي تبنت ذات النهج، وتالياً لحركة حماس التي لم تتورط بعد في منظومة الاعتراف للعدو بالمحتل من الأرض عام 48، وإن تبنت فكرة الدولة على الأراضي المحتلة عام 67، في تكرار لذات الخطأ الذي ارتكبه الآخرون في تجريب مؤسف للمجرب، من دون التقليل مرة أخرى من أهمية رفض الاعتراف كفارق كبير بين التجربتين.
نتذكر ذلك كله بين يدي رثاء شيخ المناضلين الفلسطينيين (بهجت أبو غربية)، ذلك الذي لم يرحل قبل أن يضع في أعناقنا أمانة التمسك بالثوابت، هو الذي كان عنواناً كبيراً من عناوين حراسة الذاكرة الجمعية للشعب والأمة فيما خصَّ قضية فلسطين وقدسها وأقصاها.
قلة هم الذين يخوضون غمار السياسة ولا يفسدون ولا يتنازلون، لكنهم في السياق الفلسطيني أكثر ندرة، وإنك لتعجب من أناس بلغوا من الكبر عتياً، ولم يبق بينهم وبين القبر سوى خطوة أو خطوتين، لكنهم لا يترددون في تزيين الباطل، أكان من أجل بعض الحضور في السياق السياسي، أم من أجل مكاسب تتعلق بالأبناء.
من هنا كان بهجت أبو غربية علامة فارقة في تاريخ النضال الوطني الفلسطيني، فهو لم يعايش سائر المراحل مناضلاً بكل الوسائل بدءاً من ثورة 36 وحتى المحطات الأخيرة، وما تخللها من معارك وبطولات، ومن تراجعات وتنازلات، بل ظل طوال الوقت يحرس الذاكرة ويتمسك بالثوابت من دون مواربة ولا مجاملة لأي طرف مهما علت مرتبته، وتاريخه في رفض التنازلات والتصدي لها شاهد على ذلك.
كان الراحل الكبير عنواناً من عناوين فلسطين، وواحداً من أكبر وأهم رموزها، لا لشيء إلا لأنه كان حاسماً لا يقبل النقاش حول فلسطين. فلسطين التي يعرفها ويحفظها عن ظهر قلب. فلسطين التي حملها في روحه وقلبه. فلسطين التي لا مكان فيها للغزاة تحت أي بند وفي ظل أي مشروع سياسي.
فلسطين من البحر إلى النهر، ومن رأس الناقورة حتى رفح، -بيضاء من غير سوء- فلسطين التي لا تتغير خريطتها ولا يمكن المساومة على ترابها بأي حال من الأحوال. فلسطين التي لا وجود في قاموسها لقرارات دولية جاءت بسطوة قوة المستعمرين لتشرّع الباطل وتزهق الحق.
لسنا هنا في وارد تقديم سيرة ذاتية للراحل الكبير، فقد كتبت كثيراً في السابق، وانتشرت أكثر خلال الأيام الماضية، لكننا نتحدث عن روح الصمود وروح الرفض؛ رفض المساومة كما تمثلت في عقله وضميره ووجدانه، وتلك فضيلة عزت كثيراً خلال العقود الأخيرة.
يبقى القول إن الراحل الكبير كان ممن ينطبق عليهم الحديث الشريف (خيركم من طال عمره وحسن عمله)، وممن تنطبق عليهم نظرية الخاتمة الحسنة، ليس فيما يتعلق بالانحياز لقضايا الأمة والتمسك بثوابتها، بل أيضاً فيما خصَّ البعد الفردي المتعلق بالالتزام الديني في حياته كإنسان مسلم ومؤمن.
رحم الله بهجت أبو غربية، وأسكنه الله فسيح جناته، وجمعه بزينة شهداء فلسطين من عز الدين القسام وعبد القادر الحسيني إلى أحمد ياسين ومن سبقهم ومن جاء بعدهم ومن ينتظرون ولم يبدلوا تبديلاً.