العنوان ملاحظة ثاقبة أدلت بها قريبة لي تعليقا على بعض أشكال وهيئات الحجاب المنتشرة في مجتمعاتنا هذه الأيام، فالرأس يظهر كرأس هداية مغطى بالحجاب ولكن الجسم جسم ضلال مكسو بملابس تشبه زي الكاسيات العاريات المائلات المميلات اللواتي لا يرين الجنة ولا يجدن ريحها، منظر منفر لو عرفت من تظهر به أنّه يستجلب نظرات الاستهجان والتساؤل لا نظرات الإعجاب والموافقة لما اقترفته.
ومع أنّ قريبتي حديثة عهد بالحجاب ولا ترتدي الجلباب إلاّ أنّها تعرف بالفطرة السليمة أنّ الحجاب ليس فقط غطاء للرأس أبيض أو أسود أو بألوان الطيف السبعة، إنّه زي كامل وهيئة وهوية وظاهر وباطن وأخلاق وتعاملات، هذه الحزمة الكاملة هي فقط ما يمكن أن يُطلق عليه اسم الحجاب.
وقد كنت سابقا أعارض هذا الرأي وأشجع على فتح الباب أمام الفتيات للإقبال على الحجاب حتى لو كان مجرد غطاء رأس من باب أنّ أخذ القرار بارتداء الحجاب في عصرنا الذي لا يشجّع على الفضيلة فضيلة بذاتها وقرار يجب أن نقابله بالتشجيع والاحتفال، ولا ريب أنّه وإن بدأ بداية متواضعة وغير مكتملة بسبب الهوى ونوازع السن وحب الدنيا والظهور سيصل إلى مرحلة الرشد والنضوج كلما تقدّمت المرأة بالعمر، كما أننا لا يجب أن نحاسب الناس ونقفل في وجوههم باب الإقبال والتوبة.
إلاّ أنّ هذه الظاهرة في الحجاب مسخت صورته وقدسيته وأصبح لها امتدادها وأصبحت كأنّها الأصل المقبول عند البعض وما غيرها من الصور تشدد زائد وحنبلية وتأخر لا يناسب روح العصر!
حالة المسخ الحجابي هذه أدّت إلى إزالة احترام الحجاب والمحجبات من نفوس الناس، وكونه دعوة متحركة على قدمين في صورة بشر تُذكِّر الناس بطاعة الله والهداية وترفع من قدر المرأة وترسل رسالة لكل من يراها بأنّها فوق الشبهات وفوق الاقتراب إلاّ بالحلال وبما يرضي الله.
حالة المسخ الحجابي مكّنت من تُسمَّى بالمحجبة تجاوزا أن ترتدي ما يصف وما يشف وما يلفت الانتباه من المحزّق والملزّق والمدبّق والمغري، ولا بأس مع كل هذا أن تضع غطاء للرأس بأشكال وموديلات عجيبة بحجة أنّ الحجاب لا يتنافى مع الجمال والأناقة والتطور! ويا ليت الأمر اقتصر على المظهر، ولكن تردّي المظهر فتح المجال لتردّي الأخلاق والتصرفات فأصبحنا نرى "المحجبة" متهتكة في مشيتها، رافعة لصوتها، خاضعة في قولها، تخوض وتتبسّط مع الرجال دون ضرورة، حتى صرنا نسمع عامة الناس يتذمّرون قائلين بالتعبير العامي "لو يشلحوا الحجاب بكون أحسنلهم!"
ليس الحجاب بأثواب نلبسها فقط لنتفاوض على شكله ولونه، إنّه قبل ذلك كله حالة إيمانية وفكرة اعتقادية وفخر بالتكريم والرفعة للمرأة بعد الإهانة والإمتهان والتزام بالجوارح يجعل المرأة تحس أنّها في محراب صلاة وعبادة كلما ارتدته، أما التخليط وحالة البين بين فليست بسمة المؤمنين وإنما هي خصلة المنافقين، حالة البين بين بين الحجاب والسفور ليست طاعة لله وإنما اتباع للشهوات والأهواء، تنتج مزيدا من التردي لا مزيدا من الهداية، فليس الهدف زيادة الرؤوس المحجبة فقط وإنّما نوعية هذه الرؤوس، فمن الرؤوس المحجبة من ضحّت بحياتها ومتاع الدنيا لأجل الحجاب كالشهيدة مروة الشربيني والنائب مروة قاوقجي، وهاتان نموذجان محدثان لنرى على الواقع ما يفعله الحجاب من المعجزات في علو الإرادة البشرية فوق كل قيد وغواية، ومن الرؤوس من تلبس تقليدا دون قناعة ولا تقدير ولا احترام، تخاف من الناس ولا تخاف من أمر الله ومغبّة عصيانه!
على النساء أن يخترن ما بين الحجاب الحقيقي بصورته المتكاملة وبين الحجاب الاحتيالي، بين أن يلزموا لباس المهتدين أو المضلين، وأما أنصاف وأرباع وأثلاث الحلول فغير مقبولة عند الله، فهذه صفقة طاعة لا تستوي حتى يستوي جميع أركانها وتقدّم لله كما يرضى سبحانه لا كما نرضى، والسلعة غالية، ألا إنّ سلعة الله غالية، ألا إنّ سلعة الله هي الجنة، ومن لمح الأجر وقدره التزم بالشرط.
جاء في الحديث عن الرجل يصلي ولا يقبل من صلاته شيء، وعن قارىء للقرآن والقرآن يلعنه، وكذلك الأمر في حق الحجاب، قد ترتديه المرأة ولكنها في نظر الله لا تكون أفضل من الكاسيات العاريات ويردّ عليها حجابها عملا غير مقبول، أعاذنا الله وإياكن أن نكون من هؤلاء.