ربما لم يكن أحد يتوقع أن ينفرط عقد الطغاة من الحكام العرب بهذه الصورة الدراماتيكية السريعة ،وبهذا الشكل المذل المهين لدرجة أن الواحد منهم لم يستطع أن يرحل مع من يحب من أهله بسلام وتؤدة ، وبعضهم لقي حتفه بطريقة لم يكن يتخيلها حتى في منامه.
العجيب والغريب أن يمضى بعض الزعماء على ذات الدرب دون أن يتعظوا مما حدث لأسلافهم ،ان المتأمل لواقع الحالة السورية يجد في تفاصيلها ما كنا نجده في ثنايا يوميات القتال الذي كان يدور صباح مساء في المدن الليبية المختلفة.
الذي كان يجري في الزاوية ومصراتة وبنغازي وأجدابيا وغيرها من المدن الليبية حيث سفك الدماء وقتل الأبرياء وترهيب السكان والمواطنين دون وجه حق ،هو ذاته بالتحديد ما يجري اليوم في حمص ودرعا وحلب ودير الزور هذا ما ظهر وما تخفيه الأنظمة هو أعظم.
وما كنا نراه من عجرفة المخلوعين والهاربين وتزوير مقربيهم للحقائق الواردة من الميدان ليرسموا لهم ولمن حولهم طرقا وهميا معبدة بالانتصارات الكرتونية ،هو ذاته ما سمعناه وعاينه المراقبون والمشاهدون والمتابعون لخطابات رئيس هو حبيس قصره الجمهوري بانتظار دوره بالخلع.
حقيقة لا أجد لها تفسيرا منطقيا ،وهي لماذا لا يتعظ الزعماء - المفروضين على شعوبهم – ومغتصبي السلطة زورا ممن مضى من زملائهم وأسلافهم ،وممن قهرتهم سيول الجماهير المحتجة على حكمهم عديم الرشد والإنصاف والنزاهة.
بل لماذا ينتظر هؤلاء حتى تصل بهم الأمور لدرجة الملاحقة الشعبية أو القضائية أو ملاحقة بنادق الثوار لهم ومتابعتهم حيثما توجهوا هاربين ،أليس من الرشد أن يردوا الأمانة لأهلها فور بدء الاحتجاجات ،ويبحثوا عن سبل الانسحاب الآمن لهم ولذويهم ومقربيهم قبل فوات الأوان؟
لا أجد زعيما عربيا- ان صح اللفظ أو التعبير – يحترم نفسه وعقول شعبه وناخبيه يمكن أن يتنحى طواعية ولا يتشبث بالكرسي على الرغم من أن كل شعبه أو جله لا يريد أن يري له أثراً ولا يبصر له صورة ولا يطيق استمراره في الحكم يوما واحدا بعدما ولغ بدم أبناء شعبه.
يمكن أن نطالع وجها أخرا مغايرا لما يجري بالشام العزيز ولكن على مقربة منه ،حيث تحتضن دولة عربية وخلافا لرغبات شعبها والمخلصين من أبناء الأمة العربية والإسلامية مفاوضات ولقاءات عبثية لا تسمن ولا تغنى من جوع بين موفدو العدو ومسئولين بالسلطة.
تلك المفاوضات التي قال بحقها أصحابها ومنظريها – فضلا عن معارضيها - أنها لم تجدي نفعا ولن تحقق لشعبنا شيئا ، بل ما زالت تراوح بالقضية مكانها ،وتعبث بالثوابت وتضع أقدس المقدسات على طاولة بحثها منذ انطلاقتها قبل عقدين من الزمن تقريبا.
فلماذا تأتون اليوم لتجددوها وتصرون على رعايتها رغم أمرين هما في غاية الأهمية والخطورة يتمثل الأول منهما بالقناعة أنها مضيعة للوقت ليس إلا ،وثانيهما كفر الأمة وخاصة أهل فلسطين بها كخيار لتسوية قضايا شعبنا وإنهاء مأساته التراجيدية المتواصلة منذ قرن من الزمن تقريبا.
المطلوب عربيا وشعبيا من الحكام أن يكونوا عند مستوى آمال شعوبهم ،وعند محط أنظار أمتهم بهم ،ولا يُسكنوا أنفسهم أبراجا عاجية صارفين النظر عن معاناة الشعوب من سطوة زبانية أجهزتهم القمعية القاتلة ،وليس مطلوبا منهم تقديم مصالح العدو على مصالح شعوبنا برعاية مفاوضات هزلية لم تشفع لمن رعاها سابقا سرا وجهرا لعشرات المرات بمنتجع شرم الشيخ وغيره من الأماكن بأراضي الكنانة ،وعلى الحكام أن يدركوا أنفسهم من غضبة شعوبهم ويعلموا ويفهموا بأن الشعوب ما عاد ينطلي عليها الخُدع السياسية لأنها أذكى من أن يمرر عليها خدعة هنا أو مؤامرة هناك.