عنونّا هذه الحلقة بعنوان فصل من فصول كتاب ضابط المخابرات الأمريكي ايفلاند، الذي عرضنا بعض فصوله من قبل، وهو كتاب: حبال من رمال.
على أنّ هذه الحلقة تضم موارد كلمة "الحبل" في القرآن الكريم ثم في السنة المشرفة، ثم عرض لبعض معاني الجذر اللغوي لهذه المادة في اللسان العربي، ثم صفحة من سيرة صلاح الدين، ثم ملخّص الفصل الذي عنونّا الحلقة به. فإلى هذه الحلقة الثامنة من سلسلة الحابل والنابل.
• موارد كلمة "الحبل" في القرآن الكريم بغير لفظها.
1- قوله تعالى في سورة الزخرف: "أم أبرموا أمراً فإنّا مبرمون" 79. قال الشوكاني في فتح القدير: "الإبرام: الإتقان والإحكام. يقال: أبرمت الشيء: أحكمته وأتقنته، وأبرم الحبل: إذا أحْكَمَ فتله. والمعنى: بل أحكموا كيداً للنبي صلى الله عليه وسلم فإنّا محكمون لهم كيداً" 4/647.
2- قال تعالى: "فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد". قال ابن كثير: "وليس أحد أشد قبضاً ووثقاً (أيّ توثيقاً) من الزبانية لمن كفر بربهم، وهذا في حق المجرمين والظالمين" "إنّه الله القهار الجبار، الذي يعذب يومئذ عذابه الفذ الذي لا يملك مثله أحد، والذي يوثق وثاقه الفذ الذي لا يوثق مثله أحد، وذلك مقابل ما أسلف في السورة من طغيان الطغاة، وإكثارهم من الفساد في الأرض، مما يتضمّن تعذيب الناس وربطهم بالقيود والأغلال، ولكن شتان بين عذاب وعذاب، ووثاق ووثاق" الظلال 6/3906.
3- قال تعالى: "وإذا ألقوا منها مكاناً ضيقاً مقرنين دعوا هنالك ثبوراً" الفرقان13. "ألقوا مقرنين، قد قرنت أيديهم إلى أرجلهم في السلاسل. وألقوا في مكان منها ضيق، يزيدهم كربة وضيقا، ويعجزهم عن التفلت والتململ، ثم ها هم أولاء يائسون من الخلاص، مكروبون في السعير، فراحوا يدعون الهلاك أن ينقذهم من هذا البلاء" الظلال5/2554.
4- قال تعالى: "خذوه فغلوه، ثم الجحيم صلّوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعاً فاسلكوه" الحاقة 30-32. قال الخطيب في التفسير القرآني للقرآن: "بعد أن ترك هذا الشقىّ، متطلعا إلى كل أفق، يطلب وجها للخلاص حتى تقطعت أنفاسه، قرع أذنه هذا الصوت الآمر، بأخذه، ووضع القيد فى عنقه، ثم سحبه إلى جهنم، وربطه هناك في سلسلة طولها سبعون ذراعا! ولكن هذا القيد الذي أحاط بعنقه، وهذه السلسلة الطويلة التي يسحب منها، إنّما هو إذلال له، وامتهان لكرامته بين الناس، ومعاملته معاملة الحيوان الذي يقاد من مقوده، ويربط في حظيرته" 15/1144.
5- قال تعالى: "وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً" النساء. وقال في المنار"أيّ عهداً شديداً موثقاً يربطكم بهم أقوى الربط وأحكمه. وقيل إنّ الميثاق هو ما أخذ الله للنساء على الرجال بقوله: "فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان" 4/370.
6- قال تعالى: "مقرنين في الأصفاد" إبراهيم 49. قال ابن كثير: "بعضهم إلى بعض قد جمع بين النظراء أو الأشكال منهم كل صنف إلى صنف"، أيّ أنّه يقرن بعضهم إلى بعضهم فى القيود ويضمّ كلّ إلى مشاركه فى كفره وعمله كما قال تعالى: "وإذا النفوس زوجت" تفسير المراغي 13/169.
• موارد كلمة "حبل" في السنة النبوية.
1- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّ الله يرضى لكم ثلاثاً، ويكره لكم ثلاثاً، فيرضى لكم: أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال".
2- قال النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله، فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلاً فيسأله أعطاه أو منعه".
3- دخل النبي صلى الله عليه وسلم فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: ما هذا الحبل؟ قالوا: هذا حبل لزينب فإذا فترت تعلّقت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا حُلّوه ليصلّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد.
4- قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لعن الله السارق، يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده".
5- قال النبي صلى الله عليه وسلم: "يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم بالليل بحبل فيه ثلاث عقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإذا قام فتوضأ انحلت عقدة، فإذا قام إلى الصلاة انحلت عقده كلها".
6- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من التقط لقطة يسيرة، درهماً أو حبلاً أو شبه ذلك، فليُعرّفه ثلاثة أيام، فإن كان فوق ذلك فليعرفه ستة أيام".
• "حبل" في اللسان.
قال ابن منظور في لسان العرب مواصلاً الحديث عن معاني "حبل" في اللغة في وضع العرب وفي توسعهم بالمجاز في لغتهم، قال: قال الجوهري: "يقال للرمل يستطيل حبل. والحبل: الرمل المستطيل شبه بالحبل. والحبل من الرمل: المجتمع الكثير العالي. والحبل: رمل يستطيل ويمتد" (لاحظت مثلك أنّ اللسان يكرر لكني تركته كما هو دون تصرف حتى تعلم منهجه وطريقته كما هي دون رتوش!).
ونواصل: "وفي حديث عروة بن مضرّس: أنبئك من جبلي طييء، ما تركت من حبل إلاّ وقفت عليه. الحبل: المستطيل من الرمل. ومنه حديث بدر: صعدنا على حبل، أيّ قطعة من الرمل ضخمة ممتدة. وفي الحديث: وجعل حبل المشاة بين يديه، أيّ طريقهم الذي يسلكونه في الرمل، وقيل: أراد صفهم ومجتمعهم في مشيهم تشبيهاً بحبل الرمل. وفي صفة الجنة: فإذا فيها حبائل اللؤلؤ. قال ابن الأثير: هكذا جاء في صحيح البخاري، والمعروف جنابيذ اللؤلؤ (وقد تقدم).
قال: فإن صحت الرواية فيكون أراد به مواضع مرتفعة كحبال الرمل. قال ابن الأعرابي: يقال للموت حبيل براح. قال ابن سيده: فلان حبيل براح، أيّ شجاع، ومنه قيل للأسد: حبيل براح، يقال ذلك للواقف مكانه كالأسد لا يفر. والحَبْل: الداهية. وجمعها حبول.
• صفحة من سيرة صلاح الدين في مصر.
اجتهد صلاح الدين في تحرير مصر من الخونة شاور ثم العاضد، وبعد أن عدل أوضاع مصر واستقامت على النهج السوي، بقي من الفاطميين ومن أهل القصر مجموعات وكذا من السودانيين العاملين مع الفاطميين، وكان صلاح الدين حذراً منهم، يتوقع الشر منهم في كل لحظة، وكان ملك الفرنج يراسلهم سراً عن طريق كاتبه جورج وهو رسول ملك الفرنج في الظاهر إلى صلاح الدين، وقد بلغ بهم أن شكّلوا حكومة ظل كما يقال بلغة هذا العصر، لكنهم اختلفوا فكشفوا المؤامرة لصلاح الدين، فبعث صلاح الدين على الكرك والشوبك بالعسكر، كاتبوهم (أيّ الخونة) (كاتبوا الفرنج) وقالوا لهم: "إنّه بعيد (أيّ صلاح الدين)، والفرصة قد أمكنت، فإذا وصل ملك الفرنج إلى "أيلة" (العقبة) ثارت حاشية القصر وكافة الجند وطائفة السودان وجموع الأرمن وعامة الإسماعيلية! وفتكت بأهلنا وأصحابنا في القاهرة. وكاتبوا سناناً صاحب الحشيشة (الحشاشين) (شيخ الجبل راشد سنان الدين بن سليمان. لاحظ كثرة سليمان في العلويين ولا تنس أبو سليمان!) بأنّ الدعوة واحدة والكلمة جامعة. (لاحظ الإجرام أنّ كلمة العملاء في مصر والحشاشين في الشام واحدة!)، واستدعوا منه من يتمم على الملوك (أيّ صلاح الدين) غيلة أو يبيت له مكيدة وحيلة".
ثم بين كتاب القاضي الفاضل ما صنع بهم صلاح الدين جزاء الخيانة. وقال في نهاية كتابه: "ورأى المملوك إخراجهم من القصر، فإنّهم مهما بقوا فيه بقيت مادة لا تنحسر الأطماع عنها، فإنّها (حبالة) للضلال منصوبة".
وموضع الشاهد من القصة التي أحببنا أن تطّلعوا على يسير منها هو المجاز في قوله: "حبالة للضلال منصوبة"، أيّ سبب للفتنة وجسر لعبور الكفار بضلالهم إلى حمى المسلمين، وممر ومعبر للخيانة والعمالة، وتقوية الأعداء ونحلتهم ومذاهبهم على الإسلام وأمة الإسلام!
• والآن مع "حبال من رمال".
الفصل الثالث: ثلاثون عاماً من اللامبالاة: يتحدّث الفصل عن حقبة ما بعد انفصال العرب عن تركيا، أيّ سنة 19 وما بعدها، وأطماع بريطانيا وفرنسا والصهيونية، ودخول أمريكا إلى المعترك الدولي. وما هي الدول التي ستخضع للانتداب بناء على توصية عصبة الأمم (أو عصابة اللمم!). وبدء تنفيذ فكرة إقامة وطن قومي لليهود. وتكلّم عن التنسيق بين فرنسا والصهيونية وعن مبادئ الرئيس الأمريكي ويلسون في الشرق الأوسط(!)، ومعاهدة "فرساي" حيث تقرر فيها فكرة وضع عدد من الدول تحت الانتداب.
وتكلّم عن تعارض سياسة أمريكا من جهة وبريطانيا وفرنسا من جهة بالنسبة لسوريا، فقد أوصت لجنة أمريكية (كنغ-كرين) أن تبقى سوريا موحدة ويحكمها فيصل. والنتيجة معروفة أنّ محور بريطانيا-فرنسا أمضى سياسته. (كانت أمريكا ما زالت تتشكل قوتها!) وتكلم عن قبول الحلفاء بوعد بلفور (الوغد).
وفي سنة (20) اجتمعت بريطانيا مع فرنسا في مؤتمر (سان ريمو) وقررتا شروط السلام مع تركيا، واستخدمت بريطانيا وفرنسا هذا المؤتمر لتقتسما فيما بينهما امتيازات النفط داخل البلاد العربية التي كانت تحت الحكم التركي. (هذا الذي استفدناه!) (وتأمل كيف يقضى كل شيء ونحن في غياب كأننا الآن!).
فصلت بريطانيا وفرنسا فلسطين عن سوريا، ووسعتا المقاطعات التي انتدبتا نفسيهما عليها (لاحظ أنّ اللعبة مستمرة، فالقدس اتسعت لتشمل أكثر من نصف الضفة!) وطردت فرنسا الملك فيصل من سوريا مع أنّه عُيّن برضا أمريكا وبريطانيا(!) ثم وسعت المقاطعة المسيحية (جبل لبنان) وخلقت دولة (هذه لغة الكاتب وألفاظه وأنا لا أتدخل!) وأسمتها لبنان.
أما بريطانيا، فإنّها أضافت المقاطعات التركية الغنية بالنفط (الموصل وكردستان) إلى بلاد الرافدين وخططت لأن تكون العراق دولة مستقلة والأمير فيصل ملكاً عليها. (يعني انتقل من سوريا إلى العراق).
وبين سنة 18 و49 كان هناك ثماني عشرة ثورة في سوريا، ولم تعط فرنسا استقلال سوريا الموعودة به 39 بل أعطتها إياه سنة (45) ولبنان (44) وغادرته (46) وبسبب من الاعتبارات الإنسانية (جداً!) فإنّ حكومة ترومان (فولس مان!) سهّلت مرور "حل الولايات المتحدة التقسيمي" سنة 47 الذي أوصى بإقامة دولتين. (حل مصائب وعباس البياض!)
واعترض العرب (اعتراض شعب حقيقي!). وبات من المشكوك فيه إمكان فرض التقسيم دون تدخل قوة خارجية (لاحظ حلول اليهود تفرض بالقوة والحلول التي لصالحنا جدلاً ليس لها أظافر!) وقررت التحريات الأمريكية أنّه ليس أقل من (50) ألف جندي يمكنهم فرض التقسيم. سنة 47 تحققت النبوءة (هكذا) فحشد البريطانيون (50) ألف جندي لحماية أنفسهم من الإرهابيين (هذه صفتنا من زمان!) وقررت التخلي عن الانتداب في 14/5/48. واحتل اليهود مناطق واسعة أعظم مما جاء في قرار التقسيم، وبعد بضع دقائق من إعلان دولة "إسرائيل" أعلن تروما الاعتراف بها، ثم تكلّم عن الجيوش العربية وإخفاقها بسبب خلافاتها وأسلحتها الفاسدة التي اشتراها سياسيون فاسدون مرتشون (على ذمته!) وتكلّم عن اغتيال الصهاينة "برنادوت" الوسيط الدولي. وبنهاية 48 كان الجيش الإسرائيلي استولى على 80 في المئة من فلسطين. والكتاب خطير وبالمعلومات غزير وبالقراءة جدير.
نقلاً عن صحيفة السبيل