لا تحاور

نشر 19 يناير 2012 | 08:37

 رباني هو الاستشراف والرؤية المستقبلية التي يقدّمها الحديث النبوي ضمن أحاديث أشراط الساعة، والذي يصف حال كثير من السلطات الأمنية في بلادنا العربية التي نحت دورها في حماية البلاد والعباد لتصبح سيفا مسلّطا على رقابهم، فجاء في الحديث "سيكون في آخر الزمان شرطة يغدون في غضب الله ويروحون في سخط الله فإياك أن تكون من بطانتهم".

 

 لا يصعب علينا فهم الحديث ونحن نعاينه ونعاين أشخاصه ليل نهار يعيثون في الأرض فسادا، إمّا تقتيلا وبطشا أو تضييقا وتنكيلا واستهدافا لكل صاحب مبدأ ينتمي لوطنه وشعبه ولا يخاف من قول كلمة حق في وجه نظام فاسد.

 

 وما من صاحب مبدأ إلاّ وأذاقته المنظومة الأمنية في بلاده شيئا من بلائها وسطوتها، وتحرص السلطة الأمنية على بيان أنّ العلاقة بينها وبين الشعب والحركات الإصلاحية تحديدا علاقة نقيض وتشكيك واتهام يحتكر فيها الأمنيون الحق والصواب ومصلحة الوطن بينما غيرهم ممن يختلفون معهم خونة ودخلاء وأصحاب أجندات خارجية!

 

 الحوار مطلوب مع كل أطياف المجتمع تقديما لمصلحة الوطن فوق كل الحسابات والانفتاح مطلوب وخفض الجناح مطلوب، ولكن عندما يكون هناك أرضية للحوار وقواسم مشتركة وحسن نوايا مقدّمة، أمّا الجلوس إلى الحوار بغير ذلك وبغير طائل يُرجى أو تغيير يُنتظر هو نوع من التكلف المذموم وخسارة لثقة الشعوب بالحركات الإصلاحية التي تراها محامي دفاع عنها في وجه كل من يريد أن يكمم الأفواه ويحبس الحريات.

 

 إنّ الحوار معهم لهو اعتراف صريح بكونهم طرفا في معادلة السلطة والحكم مع أنّ الأصل أنّ دورهم محصور في حراسة الوطن ضد أعداء الخارج وحماية خيارات شعوبهم في الداخل بكل أطيافهم من أول اليمين إلى أقصى اليسار دون التدخل بأصابع خفية لزرع الفتنة والشقاق بينهم.

 

 كتب الشاعر أمل دنقل نصيحة لكل محاور ومفاوض ومصالح ومحارب يحمل ثقة شعبه وثقتهم وتفويضهم أن يحفظ الأمانة ولا ينجرّ وراء وعود فارغة وسراب بقيعة، ونستعير منه مع التعديل:

لا تحاور!

ولو منحوك الذهب

أترى حين أفقأ عينيك

ثم أثبت جوهرتين مكانهما

هل ترى؟

هل يصير دمي، بين عينيك، ماءً؟

أتنسى ردائي الملطَّخَ بالدماء

لا تحاور

ولو ناشدتك القبيلة

باسم حزن "الجليلة"

أن تسوق الدهاءَ

وتُبدي، لمن قصدوك، القبول

سيقولون:

ها أنت تطلب حقا يطول

فخذ، الآن، ما تستطيع:

قليلاً من الحق..

في هذه السنوات القليلة

إنّه ليس حقك وحدك،

لكنه حق جيلٍ فجيل

لا تحاور

فما الحوار إلاّ معاهدةٌ بين ندَّينْ..

في شرف القلب

لا تُنتقَصْ

 إنّ بين يديكم أمانة عقود من التضحية والتعب في جمعية خيرية أخذت دون سبب، وشباب وشيوخ ونساء خرجوا للوطن فضربوا من غير سبب وشهيد ضحى لأجل الوطن، وعين فُقئت ودار أُحرقت وسمعة شُوِّهت وجثث تفحّمت، كيف تحاورون على كل هؤلاء؟

 لقد آن للحركات الإصلاحية أن تتعلم الدرس وتعرف من لديه قابلية للحوار والتغيير ومن أقفل قلبه وعقله وجوارحه دونهما وتتجه إلى أصحاب الولاية والسلطة الشرعية.