ليس هناك أدنى شك بأنّ أجهزة الأمن في أكثر من بلد عربي يعود لها الفضل الكبير في دفع الشعوب إلى الشوارع كي تثور ضد العديد من الأنظمة الساقطة والمتساقطة بعد أن أوغلت في دم الشعوب، ناهيك عن سحقها وقمعها وإهانتها بشتى الوسائل الهمجية والتسلطية. ومما زاد في حنق الشعوب وغضبها أنّ تلك الأجهزة العائدة إلى العهد البلشفي القذر كانت بالمرصاد دائماً لتكميم الأفواه ومنع الناس من الحديث حتى عن أسعار الخضروات والفواكه. فأيّ نوع من الشكوى البسيطة قد تودي بصاحبها إلى غياهب السجون أو إلى فقدان وظيفته، وكم من الناس قضوا مدة طويلة في السجن لمجرد تصريح تافه. وقد كان لدى السلطات تهم جاهزة على الدوام لتلبيسها للناس، فمرة يتّهمونك بتهديد الأمن القومي، وأخرى ببث الوهن في نفوس الشعب، مع العلم أنّه لم يبث الوهن والفساد والعجز في نفوس الشعوب غير تلك الأجهزة التي تتصيد أصغر الأخطاء لتجريم الناس والتنكيل بهم.
والويل كل الويل لمن كان يدلي بتصريح لوسائل الإعلام من دون إذن مسبق ومنسّق مع الأجهزة الأمنية، وكم من الناس دخلوا السجون لأنّهم فقط تحدّثوا في أمور عادية من دون موافقات أمنية. وأتذكّر أنّ إحدى الفضائيات الأجنبية استضافت ذات مرة شخصاً من أحد البلدان، ولمجرد أنّ ذلك المسكين انتقد مسؤولاً من بلد آخر كان العديد من الأجهزة في انتظاره في المطار لدى عودته إلى بلده لسوقه إلى الزنازين، حيث قضى هناك شهوراً بعد أن طُرد من وظيفته، ولولا تدخلات من سلطات عربية عليا لظل مسجوناً لعشرات السنين، لا لشيء إلاّ لأنّه شارك في برنامج من دون إذن حرّاس الإعلام والكلام. وقد تكالب وقتها أكثر من خمسة أجهزة على الفوز باستضافته في أقبيتها المظلمة، وقد شعر أحد الضباط الكبار بخيبة أمل كبرى عندما علم أنّ جهازاً آخر هجم على بيت صاحب الحظ التعيس، وصادر جهاز كومبيوتره واقتاده إلى جهة مجهولة. لاحظوا أنّهم يتسابقون على قهر الناس والزج بهم في المعتقلات لأتفه سبب، كما لو كان الناس مجرد فرائس يستطيعون صيدها في أيّ لحظة، كيف لا وقد سمّاهم البياتي بـ»كلاب الصيد» كما قلنا سابقاً؟
طبعاً ليس هناك أدنى شك أنّ تلك الممارسات الأمنية الإرهابية الحقيرة كانت السبب الرئيس وراء اندلاع الثورات، وقد شاهدنا كيف كان تعذيب شاب ومن ثم قتله على أيدي بلاطجة الشرطة في أحد مراكز التعذيب أحد أسباب الثورة في إحدى الدول العربية. وأستطيع أن أجزم أنّ الكثير من الأنظمة العربية الساقطة والمتساقطة كان بإمكانها أن تبقى في الحكم لسنوات وسنوات لولا أنّ أجهزة الأمن أودت بحياتها أو جعلت الشعوب تدوس كرامتها من خلال ممارساتها الوحشية والفاشية بحق الشعوب. فلو كانت تلك الأنظمة واعية للخطر الذي تشكّله الأجهزة على الأوطان من خلال تسلطها وبطشها وقمعها الرهيب لكانت وضعت حداً لها، ما كان سيؤدي بالنتيجة إلى تهدئة الشعوب. لكن ذلك لم يحصل، فما كان من تلك الشعوب إلاّ أن تكسر خوفها المزمن لتزلزل الأرض تحت أقدام تلك الأجهزة التي لم تصدّق عقلها وهي ترى الذين داستهم وقهرتهم لعشرات السنين ينتفضون كالأبطال في وجه الطواغيت وكلاب صيدهم، لا بل تجعلهم يهربون كالفئران كما حدث لجهاز الأمن المركزي في إحدى الدول، حيث اختفى أكثر من مليون عنصر عن الأنظار بعد أن هبّ الشعب العظيم هبّته الكبرى في وجه أولئك السفلة.
لقد أخطأت الأنظمة الساقطة والمتساقطة خطأ كبيراً في الاعتماد كلياً على تحكّم وسطوةِ الآلةِ الأمنية بشكل مطلق. هل يعقل، كما يجادل أحد الإعلاميين، «أنّها كانت تسيطر على كلّ مفاصل الحياة السياسية والاجتماعية والإدارية في بعض البلدان، شاملاً ذلك بطبيعة الحال تعيينات أعضاءِ البرلمانات والإدارات والقضاة والسفراء وضبّاط الجيش والشرطة، والمديرين التنفيذيين في سائر الوزارات ورؤساء الدوائر والشعب وعميدي الجامعات والكليات، وكل مستوى وظيفي كَبُر أو صغُر يمكن أن يخطر على البال، كذلك في سائر الورقيات والمعاملات اليومية، بشكل بات معه الحديث عن تدخلهم في اختيارات أعضاء فرق أندية كرة القدم، وخُطب شيوخ الجوامع، وصكوك الزواج والولادة وحتى التوريث».
تصوروا أنّ في إحدى البلدان العربية هناك أكثر من ثلاثة ملايين مغترب لا يستطيعون العودة إلى بلادهم فقط لأن أحدهم كتب فيهم تقريراً إلى أجهزة الأمن، أو لأنّه تحدّث يوماً عن ارتفاع أسعار السكر في بلده، فاعتبروه فوراً عميلاً للأعداء أو متآمراً على رفاهية الوطن. ولا شك أنّ العدد سيرتفع إذا، لا سمح الله، لم تتمكن الثورات من تحرير الأوطان من الاستعمار الأمني الوضيع. فلا ننس أنّ ملايين العرب في الخارج انتفضوا تأييداً للثورات في الداخل، وبذلك أصبحوا مطلوبين أمنياً، مما يعني أننا، إذا ظلّت الأوضاع على حالها، سنكون بحاجة لعشرات الأجهزة الجديدة ومئات السجون الكبيرة كي تؤوي معارضي وثوار الخارج الذين انخرطوا في الثورات من بلاد الاغتراب.
لا أحد طبعاً يطالب بدول من دون أجهزة أمنية، فالأجهزة في البلدان التي تحترم نفسها اسم على مسمى، أيّ أنّها تحقق الأمن فعلاً، بينما الأجهزة في الديكتاتوريات العربية هي أجهزة إرهاب حقيقي وليس لها من اسمها أيّ نصيب. لا شك أنّ الدول العربية بحاجة لأجهزة أمنية قوية، لكن ليس لتخويف الناس وتعطيل شؤونهم وتحويل حياتهم إلى جحيم، بل لحماية البلاد والعباد.
وإذا كانت الأنظمة الجديدة المنبثقة من الثورات تريد فعلاً أن تنجز التغيير الذي تنشده الشعوب الثائرة أو التي ستثور قريباً، فلا بد، أولاً وقبل أيّ شيء آخر، لجم أجهزة الأمن وقص أجنحتها وترشيد مهماتها وعدم تركها كالوحوش تنهش لحوم الشعوب لأسخف الأسباب. صدقوني، فإنّ ضبط الأجهزة وتقييد حركتها أهم بألف مرة من التغيير السياسي وحتى الاقتصادي، فالشعوب يمكن أن تتحمّل حتى الجوع، لكنّها لم تعد تتحمّل من يهينها ويذلّها ويدوس كرامتها بطريقة إرهابية سافلة.
وبكل الأحوال، حتى لو لم تسارع الأنظمة إلى كبح جماح أجهزتها، فإنّ الشعوب أصبحت بعد التخلص من خوفها المزمن قادرة على تأديب ودوس كل من يحاول النيل من كرامتها بكل الطرق والوسائل. طوبى للشعوب الثائرة، وسحقاً لأجهزة الإرهاب المتهالكة! وسلامتكم.