تشرفت بمرافقة دولة رئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية في جولته الخارجية والتي شملت كلاً من مصر والسودان وتركيا وتونس، جولة ناجحة بكل ما تحمل الكلمة من معان، حيث أحدثت اختراقا سياسيا وعلى كل الأصعدة، فعلى صعيدي الشخصي لم أتوقع أن تحدث هذه الجولة هذا التفاعل على الصعيدين الرسمي والشعبي.
في مصر استقبلنا الآلاف تكريما واحتفاء، كانوا يتسابقون على اللقاءات مع رئيس الوزراء وذلك في أكثر من صعيد، حتى وصل الأمر بهم إلى التواصل معنا على الجوالات وبالرسائل الإلكترونية على الايميلات وعلى الفيسبوك مفادها تأكيدهم على الدعم الكامل للشعب الفلسطيني وللقضية وللحكومة في غزة، كانوا يتمنون لقاء رئيس الوزراء وأخذ صور تذكارية يفتخرون بها ويعتبرونها محطة مهمة في تاريخهم..
وفي ذات الوقت كانت الرسائل التي يرسلها رئيس الوزراء في لقاءاته قوية ومزعجة للاحتلال وأتباعه سواء كان ذلك من خلال تصديره لقضية القدس وما تتعرض له من تهويد واستيطان، أو على صعيد بشاعة الحصار والحرب على غزة وما نتج عنهما من نتائج كارثية، حيث إن ذلك لم يعجب الكثيرين وفي مقدمتهم الاحتلال "الإسرائيلي".
وفي السودان؛ حدّث ولا حرج، أقل هذه المواقف التقدير العالي من الإخوة السودانيين الذين كانوا يرافقوننا ويسهرون على راحتنا، ويبذلون كل الجهود ويتعبون معنا تعبا شديدا، حتى أنني قلت لمسئول منهم ذات يوم في السودان الشقيق قلت له: "سامحونا، لقد أتعبناكم معنا في جولتنا، وربما سببنا لكم إرهاقا وتعبا"، فكان رده بالنسبة لي محطة ألتمس منها معاني الانتماء الصادق لإخوة العقيدة والانتماء، لقد قال لي حرفيا: "بالعكس أخي، فإن خدمتنا لكم هي عبادة نتقرب بها إلى الله عز وجل". كم كانت الكلمة قوية وحاولت أتمالك نفسي أمام عظمة نفوسهم ودماثة أخلاقهم، أستغفر الله العظيم على ذلك وأسأل الله تعالى أن نكون عند حسن ظنهم بنا، فقد كانوا نعم الأخوة ونعم المضيفون، جزاهم الله خيرا.
أما اسطنبول وأنقرة في تركيا فسبقت الدموع والأحاسيس والمشاعر؛ الأقوال .. كيف لا وأنت تجد أمامك شبابًا أتراكًا مسلمين يؤمنون بالله، ويكاد حبهم لفلسطين يكون أقوى من حب شباب فلسطين ذاتهم لها!، يتحدثون بكل بساطة وعظمة وإيمان عن جهودهم في نشر الإسلام ونصرة المظلومين في كل مكان، حتى أنهم يستغفرون الله عند شعورهم بمظاهر الرياء!!، لقد رددوا أمامنا مرات ومرات بأن غزة في قلوبهم ولن ينسوها أبدا، (بالروح بالدم نفديك يا غزة) بحسب شعارهم..
شرحوا لنا معاناتهم التي وجدوها على ظهر (مرمرة) إبان اعتقالهم من قوات الاحتلال الاسرائيلي، كما ووصفوا لنا ما تعرضوا له من قمع وتنكيل على يد الأجهزة الأمنية المصرية قبل الثورة عندما كسّرت أياديهم ورؤوسهم لأنهم جاؤوا لنصرة غزة والتضامن مع أطفالها المكلومين المحاصرين الذين لتوهم خرجوا من حرب شرسة أكلت الأخضر واليابس.. تحدثوا لنا عن حظنا الرائع عندما خلقنا الله في غزة أهل الصمود والثبات وغبطونا على نعمتنا التي نحن فيها، فنسأل الله أن يحفظهم وأن يجعلهم ذخرا وعمقا لنا ولقضيتنا العادلة الحقّة.
رئيس الوزراء أرسل رسائل قوية وصارمة في تركيا فبالإضافة إلى تصدير قضية القدس وأنها على سلم الأولويات واستعراضه لتهجير أهلها ونوابها ووزرائها ومناقشته الحصار والحرب وآثارهما؛ كانت الرسالة القوية من على ظهر سفينة (مرمرة) التركية التي استشهد على متنها تسعة من المتضامنين الأتراك الذين سافروا بحرا من هناك لكسر الحصار عن غزة الباسلة الصامدة، فكان أن اختلطت دماؤهم بتراب غزة، وتعانقت أرواحهم مع أرواح شهداء غزة، ولا تسأل عن مشاعر الأتراك حبا نحونا وكراهية تجاه (إسرائيل) الزائلة.. فإذا كانت (مرمرة) لم تتمكن من الوصول إلى غزة فإن غزة وفلسطين وصلت إلى (مرمرة). كما قال رئيس الوزراء هناك.
كما أن رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان هو الآخر أرسل رسائل قوية وصارمة أيضا حيث كان أهمها أن حركة حماس والحكومة الفلسطينية في غزة هي حركة منتخبة وأنها ليست إرهابية على اعتبار أنها تدافع عن حقوقها وحقوق شعبها وثوابتهما!، فكان ذلك بمثابة لطمة قوية (لإسرائيل) ومن والاها.
آه يا تونس الخضراء والله إنها من أعز أرض الله على قلبي لما رأيت فيها؛ بينما تجولنا برفقة رئيس الوزراء بين أروقة المدينة العتيقة العريقة بالقصبة كان المتواجدون في السوق وفي الشارع يهتفون (بالروح بالدم نفديك يا أقصى وبالروح بالدم نفديك يا فلسطين).. يشدون على يد رئيس الوزراء ويقولون له: "تونس معك يا أبو العبد"، والدموع تفيض من عيونهم شوقا وحبا وانتماء وغبطة!.
ولما دخلنا القيروان وما أدراك ما القيروان.. جامع عقبة بن نافع الذي بُني هناك، امتلأ عن بكرة أبيه حيث لم يشهد الجامع العريق لمثل ذلك الموقف الرهيب منذ عشرات السنين كما قال لنا التوانسة، لم يتمالك عشرات الآلاف أنفسهم عندما دخل رئيس الوزراء الجامع الكبير، ولم يتمالكوا أنفسهم بينما يصعد رئيس الوزراء عتبات منبر عقبة بن نافع (الفاتح) فيخطب الجمعة، ويهز مشاعرهم ويزلزل أركانهم، ويحيي نفوسهم، ويدك أوصالهم ويذكرهم بعظمتهم وجبروتهم في وجوه الغزاة الأوائل، حتى فاضت عيونهم وعيوننا بالدموع، فاضت عيونهم شوقا لتاريخهم العريق العزيز، وفاضت تضامنا مع غزة وفلسطين وحبا وشوقا للمسجد الأقصى وللقدس التي يدنسها الاحتلال الصهيوني في فلسطين، وعشقا لفلسطين الأبية التي ما غابت عن عقولهم يوما، وفاضت دموعنا نحن أيضا معهم لأننا شعرنا وقتها بعظمة مقاومتنا الباسلة، وبثبات مواقفنا الرائعة، وبصمودنا الرهيب أمام غطرسة الاحتلال وآلاته التي خلطت الدماء والأشلاء بالدماء والرمال في غزة قاهرة الغزاة، التي ما لانت وما استكانت، عرفنا وقتها كم نحن عظماء عند هؤلاء وغيرهم الملايين من العرب والمسلمين الميامين الذين أقسموا أنهم سيصلون يوما إلى فلسطين والأقصى وسيحررونها من الاحتلال ومستوطنيه الأوغاد الذين عاثوا في الأرض فسادا ..
لقد كانت الرسائل التي أطلقها رئيس الوزراء من هناك مهمة جدا وذات معانٍ كبيرة للاحتلال قبل غيره مفادها أن جيش تحرير القدس وفلسطين قادم وبزحوف لها أول وليس لها آخر.. جيوش تحمل القرآن الكريم في قلوبها والانتماء في نفوسها، تحمل المقاومة والجهاد المفترض في قلوبها تهتدي به حتى تمارسه واقعا على أرض فلسطين والأقصى والقدس.
دول كثيرة أرسلت لرئيس الوزراء الدعوات لكي يشرفها ويزورها ويخطب في مساجدها، ولكنه آثر أن تكون الزيارات القادمة في جولة أخرى، لعدد من البلدان التي تنتظر زيارة رئيس الوزراء، ومن خلال الدعوات شعرنا أن كل الدول تحبنا وتعشق غزة وتنتمي إلى فلسطين ليس كأي انتماء وإنما انتماء الإسلاميين على وجه الخصوص، انتماء يمتد إلى عراقة دينهم وتاريخهم الناصع الأبيض، الذي لم يفاوض ولم يفرط ولم يساوم على الحقوق والثوابت..
إن النتائج التي حققتها الجولة الخارجية الأولى لدولة رئيس الوزراء إسماعيل هنية والوفد المرافق له كانت نتائج إيجابية على الصعيد السياسي والعملي وعلى صعيد دعم القضية الفلسطينية، ودعم القدس، وعلى صعيد ترسيخ الشرعية التي يحاول العدو وأعوانه زعزعتها.. إننا بالفعل اطمأننا وتأكدنا أن أفئدة الشعوب العربية تتوجه بقوة نحونا، نحو القدس والأقصى، إنهم لم ينسوا ما يتعرض له الأقصى والقدس وغزة من تهويد واستيطان وانتهاكات وحصار وحرب وعدوان.. لسان حالهم كأنه يقول في كل لحظة وفي كل موقف: "ليتنا معكم هناك في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس، فإن عظامنا وأشلاءنا ودماءنا ستكون للأقصى سراجا منيرا"..
لقد تأكدنا أن أمتنا العربية والإسلامية على امتداد شعوبها بخير وعافية وقوة وعنفوان، وإنها تنتظر اللحظة التي تصل فيها جيوش التحرير إلى فلسطين والقدس والأقصى، وتنتظر اللحظة التي تكنس فيها الاحتلال البغيض.
ونستطيع الآن التأكيد على أننا أصبحنا لسنا خائفين على فلسطين والقدس والأقصى وعلى حقوقنا وثوابتنا؛ طالما الشعوب العربية والإسلامية بهذه النفوس الأصيلة وبهذه الروح العنفوانية العالية، أصبحنا أكثر اطمئنانا على مستقبل الأمتين العربية والإسلامية من خلال تغير الصورة النمطية عنها، فلا مكان للذل ثانية بينها ولا عودة للخور بين جنباتها، وستتحرر فلسطين والقدس والأقصى قريبا بإذن الله تعالى.. والله أكبر ولله الحمد وإلى لقاء التحرير بإذن الله عز وجل..