لا تنفك العقلية الأمنية تلازمنا بالرغم من شعارات التغيير والإصلاح التي تطلقها الحكومات صباحا مساء، وآخر تفتقات هذه العقلية الأمنية كان ما بعثته دائرة السير من رسائل لهواتف المواطنين الخلوية ومن نصوصها "المخالفة المرورية أنت تصرّ عليها ونحن نراقبها"، وأخرى نصها "وجدت المخالفة لحمايتك، فالتزم بقواعد السير"، الرسالة الأخيرة وصلت لمواطنة ليس عندها ولا عند زوجها سيارة ومثلهم كثر وفوق تخويفهم بالتي هي أسوأ فقد أهدرت جزءا من أموال الدولة بغير طائل أو هدف، واخترقت جزءا من خصوصية المواطنين في الحصول على أرقامهم الخاصة دون إذنهم لإرسال رسائل إليها وهذا يعني أنّهم لا يعرفون أرقام الهواتف فقط بل قد تتنصّت جهات أخرى عليها، كما أظهر أحد الأخبار الذي تناقلته وسائل الإعلام من أنّ شركة تراقب الهواتف وخطوط الإنترنت، وفي البلاد التي تحترم نفسها ومواطنيها تطير في مثل هذه الاختراقات رقاب الحكومات!
التغيير الذي حصل في المجال المروري كان الانتقال من الممارسات الكسبية لدائرة السير، والتي يعرفها المواطنون ويتناقلونها بينهم من أنّ شرطي السير يُعطى دفتر مخالفات يجب أن يعبّأ بالمخالفات مع آخر النهار، وأنّ هناك من يدفعون المخالفات وأنّ هناك من يملكون أسماء تمكّنهم من القفز فوق المخالفة والقانون، إلى الممارسات الإرهابية التي تريد أن تحسس المواطن أنّه مراقب وملاحق ولو كان جالسا في بيته وسيارته مصفوفة في الكراج لم تحرّك ولم يحرّك ساكنا، وتصبح جملة "ونحن نراقبها" جملة إرهاب لا تقف عند حدود السير والمرور ومخالفاته بل تنتقل إلى الشخص، فمن يراقب المخالفة يراقب الشخص، والمعنى بين السطور انتبه أيّها المواطن فنحن نراقبك!
في الدول المتقدمة هناك كاميرات في كل الأماكن العامة وليس فقط في الشوارع، والمواطنون يعرفون ذلك إلاّ أنّهم لا يخافون منها لأنّها تُقدّم لهم كوسيلة لحمايتهم والحفاظ على حقوقهم لا لتقييدهم وعد أنفاسهم، فلا تعتبر بذلك تعد على حرياتهم بل حفاظا عليها، وحتى العقوبة التي تأتي في صورة المخالفة فهي معروفة الأسباب والنتائج يستوي فيها الملوك وعامة الشعب، وهي تأتي بعد توفير كل الوسائل والحوافز لعدم اقتراف المخالفة، فمثلا يتم دراسة الأماكن المزدحمة وتوفير أماكن اصطفاف بأكثر من عدد المرتادين لهذه الأماكن، فلا تجد اصطفافا مزدوجا ولا تعدٍ على أكثر من مكان ولا اصطفافا في أماكن ممنوعة وبعد توفير كل أسباب الراحة والالتزام بالقانون يكون من المنطقي بل ومن الضروري تنفيذ العقوبة بحق من يتقصّد المخالفة ويعرّض سلامة الجميع للخطر دون سبب.
أيّ تطور هذا في التوعية المرورية والمساءلة القانونية التي تجرّم المرء قبل أن يقترف الجرم وتجعله خائفا دون سبب يتلفّت يمنة ويسرة بحثا عن عين أو عدسة تراقبه؟!
يا خوفنا أن تنتقل هذه العقلية والممارسات لبقية الدوائر لنشعر أننا مراقبون حتى في عقر دورنا وغرف نومنا!
كتب الإعلامي جهاد أبو العيس ساخرا: "غدا ربما ستأتيك رسالة من مديرية الغذاء والدواء نصها: لديك سعرات غذائية زائدة عن الحاجة..نحن نعدّها".
هناك فرق بين الدولة الأمنية التي تنظر إلى مواطنيها كمجرمين محتملين وبين دولة القانون والمؤسسات التي توفّر لمواطنيها كل أسباب الوقاية حتى لا يرتكبوا المخالفة.
لسنا بحاجة للمخالفات ولا للتذكير بها، نحن بحاجة إلى تغيير القناعات والممارسات والإحساس بالمسؤولية من قبل المواطن وممارسة الأمانة من قبل المسؤول لنطمئن أنّ مخالفاتنا تذهب إلى مجالاتها المنصوص عليها قانونيا ولا تذهب إلى جيب فلان أو علان مع أموال أمانة عمان المنهوبة.
يا ترى المخالفات الأخرى التي تنخر في جسد الوطن والتي لا يرتكبها مواطن مشحّر لا يعرف أين يصفّ سيارته أو يخطئ التجاوز أو يتكلّم بالخلوي، هل تراقب بهذا النفس الحثيث والعين الساهرة؟
دمتم أحرارا مراقبين لله حريصين على الوطن وأرواح الآخرين في كل تصرفاتكم.